الباب السابع والعشرون في صفة حدوث الوباء وأيامه وفصول الأوقات والعلاج منها بما يؤمن به غائلتها
أقول : إنه ليس سبب كثرة الأمراض الحادة في السنين الوبية عن فسادات الهواء وحده إذا نتن أو تكدر أو أفرط فيه الحر أو البرد أو اليبس أو الرطوبة . بل لأنه يصير خميرة للمواد الردية والفضلات الفاسدة المجتمعة الحاصلة في الأبدان المتولدة من النفسية والجسمية كما قال جالينوس في كتابه « في الحميات » : ليس يمكن أن يعمل في البدن شئ من الأشياء دون أن يكون البدن مستعدا متهيئا لقبول ما يؤثر فيه تلك الأسباب .
ولولا ذلك لكان كل من أطال اللبث في الشمس الصيفية أو تعب فضل تعب أو غضب كان يحم ولكان الناس جميعا بالموت أن يموتون . إلا أن أؤكد الأسباب إنما هو استعداد الأبدان القابلة للآفة لقبولها ولأن أقرب الأشياء استحالة إلى الشئ ما كان أقرب من طبيعة المولدة لمثل تلك العلل . فلذلك يجب على الإنسان في مثل تلك السنين ألا يقتصر على توقى الأسباب المولدة لمثل تلك العلل بل يبادر إلى تنقية بدنه من الأخلاط المولدة لمثلها .
فأما الهواء الذي يكون فساده من مجاورة البحار والبحيرات والأنهار الفاسدة المياه والمنابع والدفلى وكثرة البقول وجيف الحيوانات ، أو لأن أرضين تلك البقاع عميقة ولا تهب فيها الرياح : فمضرته في الأكثر لجميع الناس وجميع الأشياء سواء .
فأما الهواء الذي يكون تغيره بسبب كيفياته مثل الحرارة والبرودة والرطوبة واليبوسة :
فلا يعم ضرره جميع الناس بل يخص ضرره بمن يضاد مزاجه ذلك الهواء .
وشرّ الأوباء التي تحدث عن فساد الفصول الأربعة فتتغير عن طبائعها المعهودة ، وبعد ذلك إذا كان التغير في فصل الربيع فإنه إذا تغيرت الفصول الأربعة تولد عنها أنواع الطواعين . وعلى أن حدوث الوباء في الأكثر في آخر الصيف والخريف .
علامات دلائل الوباء :
إذا كان في الصيف أمطار كثيرة ودام الغيم بالليل والنهار وكثرت فيه الرياح الجنوبية