وعلى تقدير أن يكون سبب إبعاده ما قيل فيه من حيرته ، فإعادته إيّاه لا تدلّ على كذبه ، فلعلّه كان قد تاب ورجع عنها إلى الحقّ ، ولكنّه غير صالح للحكم بصحّة رواياته على الإطلاق ، لأنّ روايته زمن حيرته غير مقبولة بصحيح الخبر .
فإذا اشتبه الأمر وفقد التميّز للجهل بالتاريخ ، لم يجز العمل برواياته ؛ إذ الشكّ في وقت أدائها ، يوجب الشكّ في صحّتها ، والحديث المشكوك لا يوجب علما ولا عملا .
قال الشيخ البهائي في بعض فوائده : كثير من الرجال والرواة ينقل عنه أنّه كان على خلاف المذهب ، ثمّ رجع وحسن إيمانه ، والقوم يجعلون روايته من الصحاح ، مع أنّهم غير عالمين بأنّ الرواية متى وقعت منه أبعد التوبة أم قبلها .
وأنا أقول : أحمد بن محمّد هذا كان على المذهب الحقّ في أوّل حاله ، ثمّ رجع عنه وتحيّر في أواخره ، ولم يعلم أنّه رجع عنه أو بقي عليه ، فكيف يجعلون روايته وهم لا يعلمون بأنّ أداء الرواية متى وقع منه بعد الحيرة أم قبلها من الصحاح ؟ وروايته بعد حيرته كما فهم من صريح السؤال والجواب غير مقبولة .
ذكر في دراية الحديث : من خلط بعد استقامته بخرق وهو الحمق ، وضعف العقل والفسق وغيرهما من القوادح يقبل ما روي عنه قبل الاختلاط ، لاجتماع الشرائط وارتفاع الموانع .
ويرد ما روي عنه بعده ، وما شكّ فيه هل وقع قبله أو بعده ، للشكّ في الشرط وهو العدالة عند الشكّ في التقدّم والتأخّر ، وإنّما يعلم ذلك بالتاريخ ، أو بقول الراوي عنه حدّثني قبل اختلاطه ونحو ذلك ، ومع الإطلاق وعدم التاريخ يقع الشكّ فيرد الحديث « 1 » .
هامش
( 1 ) الرعاية ص 210 - 211 .