قال العلّامة الشعراني في هامش الوافي :
عادة المنجّمين أن يحاسبوا الشهور الهلالية أوّلا على الأمر الأوسط ويرتّبون الأيّام ويستخرجون مواضع الكواكب في تلك الأيّام ثمّ يرجعون ويستخرجون رؤية الأهلّة ويرتّبون الشهور ويعيّنون غرّة كلّ شهر على حسب الرؤية ، فإذا بنوا على الأمر الأوسط حاسبوا شهر محرّم تامّا وصفر ناقصا وهكذا فيكون شعبان ناقصا ورمضان تامّا ، وهذا بحسب الأمر الأوسط وهو عادتهم من قديم الدهر ، إلّا أنّ هذا عمل يبتدءون به في الحساب قبل أن يستخرج الأهلّة ، فإذا استخرج الهلال بنوا على الرؤية وكان بعض الرواة سمع ذلك من عمل المنجّمين فاستحسنه ؛ لأنّ نسبة النقصان إلى شهر رمضان وهو شهر الله الأعظم يوجب التنفير وإساءة الأدب ، فنسبه إلى بعض الأئمّة عليهم السّلام سهوا وزاد فيه .
والعجب أنّ الصدوق ( قدّس الله سرّه ) روى الأحاديث في الصوم للرؤية والإفطار لها وروى أحاديث الشهادة على الهلال وروى أحكام يوم الشكّ ، ولو كان شعبان ناقصا أبدا وشهر رمضان تامّا أبدا لانتفى جميع هذه الأحكام وبطلت جميع تلك الروايات ولا يبقى يوم الشكّ ولم يحتج إلى الرؤية « 1 » .
وقال الحرّ العاملي في شرح أحاديث العدد :
. . . أنّ الشيخ حمل هذه الأحاديث على أربعة أوجه . . . ويمكن الحمل على أنّه إذا كان تسعة وعشرين بحسب الرؤية ، فهو بحكم ما لو كان ثلاثين فلا ينقص شرفه ، ولا يجب قضاء يوم آخر ؛ ويحتمل الحمل على أنّه لا يجوز أن يقال : « إنّه ناقص » ؛ لأنّ هذا لفظ ذمّ ، بل هو كامل تامّ في الشرف والفضل ، وكلّ شهر بالنسبة إليه ناقص . ونظير هذا ما روي عنهم عليهم السّلام أنّهم سألوا عن القرآن أخالق هو أم مخلوق ؟ فقالوا : « ليس بخالق ولا مخلوق ، ولكنّه كلام الله محدث » ولا يخفى أنّ « المحدث » بمعنى المخلوق ، لكنّ « المخلوق » صفة ذمّ ؛ لأنّه ورد بمعنى المكذوب كما في قوله ( تعالى ) :
وَتَخْلُقُونَ إِفْكاً
« 2 » وقوله ( تعالى ) - حكاية عن الكفّار -
إِنْ هذا إِلَّا اخْتِلاقٌ
« 3 » ، فلم يطلقوا لفظا له معنيان أحدهما يترتّب عليه مفسدة ويوهم خلاف المقصود ، وله نظائر أخر تقدّم بعضها في أبواب الدعاء ، والله أعلم « 4 » .
هامش
( 1 ) . تهذيب الأحكام ، ج 4 ، ص 230 ، ط . الغفّاري .
( 2 ) . العنكبوت ( 29 ) : 17 .
( 3 ) . ص ( 38 ) : 7 .
( 4 ) . وسائل الشيعة ، ج 10 ، ص 274 - 275 .