فقال مالك والشافعي وأبو حنيفة وجمهور أصحابهم : إنّ القمر في أوّل وقت رئي من النهار أنّه لليوم المستقبل كحكم رؤيته بالعشيّ .
وقال أبو يوسف من أصحاب أبي حنيفة والثوري وابن حبيب من أصحاب مالك : إذا رئي الهلال قبل الزوال فهو لليلة الماضية ، وإن رئي بعد الزوال فهو للآتية .
وسبب اختلافهم - كما قال ابن رشد - ترك اعتبار التجربة فيما سبيله التجربة والرجوع إلى الأخبار في ذلك ، وليس في ذلك أثر عن النبيّ صلّى اللّه عليه وآله وسلّم يرجع إليه ، لكن روى عن عمر أثران :
أحدهما : عامّ ، والآخر : مفسّر ، فذهب الجمهور إلى العامّ وذهب أبو يوسف والثوري وابن حبيب إلى المفسّر .
فأمّا العامّ : فما رواه الأعمش عن أبي وائل شقيق ابن سلمة قال :
أتانا كتاب عمر ونحن بخانقين أنّ الأهلّة بعضها أكبر من بعض ، فإذا رأيتم الهلال نهارا فلا تفطروا حتّى يشهد رجلان أنّهما رأياه بالأمس .
وأمّا المفسّر : فما روى الثوري عنه أنّه بلغ عمر بن الخطّاب أنّ قوما رأوا الهلال بعد الزوال فأفطروا فكتب إليهم يلومهم ، وقال : إذا رأيتم الهلال نهارا قبل الزوال فأفطروا ، وإذا رأيتموه بعد الزوال فلا تفطروا .
والذي يقتضي القياس والتجربة أنّ القمر لا يرى والشمس بعد لم تغب إلّا وهو بعيد منها ؛ لأنّه حينئذ يكون أكبر من قوس الرؤية ، وإن كان يختلف في الكبر والصغر فبعيد - والله أعلم - أن يبلغ من الكبر أن يرى والشمس بعد لم تغب ، ولكنّ المعتمد في ذلك التجربة ، ولا فرق في ذلك قبل الزوال ولا بعده ، وإنّما المعتبر في ذلك مغيب الشمس أو لا مغيبها « 1 » ، وعلى هذا تكون رؤية الهلال نهارا لا عبرة بها ، وإنّما المعتبر رؤيته بعد الغروب .
المبحث الرابع : حكم يوم الغيم
أجمع الفقهاء على أنّ شهر رمضان يثبت برؤية الهلال أو إكمال شعبان ثلاثين يوما . أمّا إذا حال دون مطلع الهلال غيم أو قتر ليلة الثلاثين من شعبان ولم ير الهلال ، فقد اختلف الفقهاء فيه .
فقال أبو حنيفة ومالك والشافعي ومن تبعهم : إنّ الحكم في ذلك أن تكمل العدّة ثلاثين ،
هامش
( 1 ) . بداية المجتهد ، ج 1 ، ص 284 وما بعدها بتصرّف .