وأمّا طريق الخبر فإنّهم اختلفوا في عدد المخبرين الذين يجب قبول خبرهم عن الرؤية .
فقال جمهور الفقهاء من الشافعيّة في أحد قولين لهم وهو الصحيح ، والحنابلة والحنفية في حالة الغيم . قالوا : تقبل شهادة الواحد في رؤية هلال رمضان . واستدلّوا بما روي عن عبد الله بن عمر قال : تراءى الناس الهلال فأخبرت رسول الله صلّى اللّه عليه وآله وسلّم أنّي رأيته ، فصام وأمر الناس بصيامه . رواه أبو داود والدارقطني . وبما روى عن ابن عبّاس قال :
جاء أعرابي إلى النبيّ صلّى اللّه عليه وآله وسلّم فقال : أبصرت الهلال الليلة ، فقال : « أتشهد أن لا إله إلّا الله وأنّ محمّدا عبده ورسوله ؟ » قال : نعم قال : « يا بلال ، أذّن في الناس فليصوموا غدا » .
رواه أبو داود « 1 » وغيره .
وهذا يدلّ على أنّ الرسول صلّى اللّه عليه وآله وسلّم قد قبل شهادة الواحد في رؤية هلال رمضان ، فالعدد ليس شرطا ، فلو كان شرطا لما قبل الرسول شهادة الواحد ولما اقتصر عليه .
وقال المالكيّة والشافعيّة في الرأي الثاني لهم : لا تقبل شهادة الواحد ، بل لا بدّ من شهادة اثنين . واستدلّوا بما روي عن عبد الرحمن بن زيد بن الخطّاب قال : قال رسول الله صلّى اللّه عليه وآله وسلّم :
« . . . فإن شهد شاهدان مسلمان فصوموا وأفطروا » رواه أحمد والنسائي « 2 » ، وبما روي عن الحرث بن حاطب أمير مكّة قال :
قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم : « عهد إلينا رسول الله أن ننسك للرؤية . فإن لم نره - أي هلال رمضان - وشهد شاهدا عدل نسكنا بشهادتهما » .
رواه أبو داود والدارقطني « 3 » . وفي هذا دلالة صريحة على أنّه لا بدّ من اثنين في رؤية هلال رمضان .
وقد تأوّل هؤلاء القائلون باعتبار شهادة الاثنين ما استدلّ به الجمهور من الحديثين ، وهما : حديث ابن عمر وحديث ابن عبّاس بأنّه يحتمل أن يكون قد شهد عند النبيّ صلّى اللّه عليه وآله وسلّم غيرهما .
وقد ردّ الجمهور على من اشترط الشاهدين بأنّ ما استدلّوا به من حديث عبد الرحمن بن زيد والحرث بن حاطب يدلّ على عدم العمل بالشاهد الواحد بمفهوم العدد ، وما دلّ على صحّة شهادة الواحد والعمل بها يدلّ بمنطوقه على العمل بشهادة الواحد ، ودلالة المنطوق
هامش
( 1 ) . سنن أبي داود ، ج 2 ، ص 754 .
( 2 ) . الروضة الندية ، ج 1 ، ص 222 .
( 3 ) . الروضة الندية ، ج 1 ، ص 222 .