أرجح من دلالة المفهوم ، ويؤيّد وجوب العمل بخبر الواحد الأدلّة الدالّة على قبول أخبار الآحاد على العموم إلّا ما خصّه دليل ، فمحلّ النزاع مندرج تحت العموم بعد التنصيص عليه بما في حديث الأعرابي وبما في حديث ابن عمر .
وأمّا التأويل باحتمال أن يكون قد شهد عند النبيّ صلّى اللّه عليه وآله وسلّم رجل قبل شهادة ابن عمر ، فلو كان مجرّد الاحتمال قادحا في الاستدلال لم يبق دليل شرعي إلّا وأمكن دفعه بمثل هذا التأويل « 1 » .
ولا يصحّ لمن اشترط الشاهدين في الرؤية أن يقيسها على شهادة الحقوق ؛ لأنّ تشبيه الرائي بالراوي هو أمثل من تشبيهه بالشاهد ؛ لأنّ الشهادة إمّا أن يقول : إنّ اشتراط العدد فيها عبادة غير معلّلة ، فلا يجوز أن يقيس عليها ، وإمّا أن يقول : إنّ اشتراط العدد فيها هو لموضع التنازع الذي في الحقوق ، والشبهة التي تعرض من قبل قول أحد الخصمين فاشترط فيها العدد ، وليكون الظنّ أغلب ، والميل إلى حجّة أحد الخصمين أقوى ، ولم يتعدّ بذلك الاثنين لئلّا يعسر قيام الشهادة فتبطل الحقوق ، وليس في رؤية القمر شبهة من مخالف توجب الاستظهار بالعدد « 2 » .
والراجح رأي الجمهور في جواز شهادة الواحد في هلال رمضان ، إلّا أنّ الأحناف قالوا :
إنّ شهادة الواحد تقبل في الغيم ؛ لاحتمال خفاء الهلال عن غيره . أمّا الصحو فلا تقبل إلّا شهادة جماعة ؛ لبعد خفائه . وهذه الجماعة قدّرها أبو يوسف بخمسين رجلا ، إلّا أنّه لا دليل على ذلك - كما وضحنا - من أدلّة الجمهور الدالّة على جواز شهادة الواحد ، ولا فرق بين الغيم والصحو ؛ لأنّ الأدلّة عامّة ، ولا تخصّص إلّا بمخصّص ولم يوجد ، ولأنّه خبر عن وقت الفريضة فيما طريقه المشاهدة فقبل فيه قول واحد كالخبر بدخول وقت الصلاة ، ولأنّه خبر ديني يشترك فيه المخبر فقبل من عدل واحد كالرواية .
المبحث الثالث : وقت الرؤية المعتبر
اتّفق الفقهاء على أنّ الهلال إذا رئي من العشيّ « 3 » أنّ الشهر من اليوم الثاني ، واختلفوا إذا رئي في سائر أوقات النهار .
هامش
( 1 ) . الروضة الندية ، ج 1 ، ص 223 .
( 2 ) . بداية المجتهد ، ج 1 ، ص 287 .
( 3 ) . العشيّ : الوقت من زوال الشمس إلى المغرب ، أو من صلاة المغرب إلى العتمة . وصلاتا العشيّ : الظهر والعصر .
( المعجم الوسيط ، ص 603 ) .