وقد يلاحظ على هذا الاستدلال : بأنّ روايات حجّيّة الشهادة ناظرة إلى طرق الإثبات وأنّ البيّنة حجّة ، وليس فيها نظر إلى جهة الثبوت وأنّ ما يتحقّق به الشهر واقعا هل يكفي فيه طلوع الهلال في بلد آخر أم لا ليتمسّك بإطلاقه ؟
نعم ، لو كانت الروايات ناظرة إلى ثبوت الهلال أو قيام بيّنة في بلد آخر أمكن التمسّك بإطلاقها من تلك الجهة وإثبات الكفاية ، ولكنّها ليست كذلك ، فليس الإشكال دعوى الانصراف إلى بيّنة أهل البلد ، وإنّما الإشكال هو عدم كونها في مقام البيان من هذه الجهة ، فلا يتمّ الإطلاق فيها .
ويمكن الجواب : بأنّ لسان هذه الروايات يختلف عمّا دلّ على قبول أصل الشهادة والبيّنة في الهلال ، من قبيل ما ورد أنّه : « لا أجيز في الهلال إلّا شهادة رجلين عدلين » « 1 » ؛ لأنّها ناظرة إلى حكم قضاء يوم آخر لمن صام تسعة وعشرين يوما ولو من جهة أنّه لم ير الناس الهلال في أوّل الشهر مع الصحو وعدم علّة في السماء ، بل قد تبرّع الإمام عليه السّلام في بعضها ابتداء لبيان حكم القضاء وقد جعل وجوب القضاء يوما آخر في هذه الروايات متفرّعا على قيام بيّنة عدول يشهدون بأنّهم قد رأوا الهلال قبل ذلك . ومن الواضح أنّ هذا مطلق يشمل ما إذا كانت البيّنة تشهد بذلك في مصر آخر ، وما في ذيل معتبرة أبي أيّوب تصريح بهذا الإطلاق .
فلو كان وجوب القضاء مقيّدا برؤية الهلال في نفس البلد كان لا بدّ من تقييد شهادة البيّنة بأن تكون من نفس البلد وفي أفقه لا أفق آخر ، وإلّا كان إغراء بالجهل . فالإطلاق في لسان هذه الروايات واضح لا ينبغي إنكاره ، بل لولا الإطلاق اللفظي لكان يتمّ فيها الإطلاق أيضا بملاك ترك الاستفصال ووقوع المكلّف في خلاف الواقع .
الثالث : ما أشرنا إليه عند التعرّض لأدلّة القول الأوّل من إمكان التمسّك بإطلاق روايات الصوم أو الإفطار للرؤية لما إذا كانت الرؤية في بلد آخر مختلف في الأفق . وهذا الإطلاق يمكن تقريبه بنحوين :
1 . إطلاقها لما إذا رأى المكلّف الهلال في مكان ثمّ سافر إلى بلد آخر يختلف معه في الأفق لم ير فيه الهلال رغم استهلال الناس وكون السماء مصحية ، فإنّه لا إشكال في أنّ
هامش
( 1 ) . وسائل الشيعة ، ج 10 ، ص 286 ، أبواب أحكام شهر رمضان ، الباب 11 ، ح 1 .