أدلّة القول الثاني
يمكن أن يستدلّ على القول بكفاية رؤية الهلال في بلد لثبوته في سائر البلاد - ولو المشتركة معه في الليل - بوجوه :
الأوّل : ما ذكره الأستاذ في منهاجه :
الأوّل : إنّ الشهور القمرية إنّما تبدأ على أساس وضع سير القمر واتّخاذه موضعا خاصّا من الشمس في دورته الطبيعيّة وفي نهاية الدورة يدخل تحت شعاع الشمس ، وفي هذه الحالة - حالة المحاق - لا يمكن رؤيته في أيّة بقعة من بقاع الأرض ، وبعد خروجه عن حالة المحاق والتمكّن من رؤيته ينتهي شهر قمري ويبدأ شهر قمري جديد . ومن الواضح أنّ خروج القمر من هذا الوضع هو بداية شهر قمري جديد لجميع بقاع الأرض على اختلاف مشارقها ومغاربها لا لبقعة دون أخرى وإن كان القمر مرئيا في بعضها ، دون الآخر ، وذلك لمانع خارجي كشعاع الشمس أو حيلولة بقاع الأرض أو ما شاكل ذلك ، فإنّه لا يرتبط بعدم خروجه عن المحاق ، ضرورة أنّه ليس لخروجه منه أفراد عديدة بل هو فرد واحد متحقّق في الكون لا يعقل تعدّده بتعدّد البقاع . وهذا بخلاف طلوع الشمس فإنّه يتعدّد بتعدّد البقاع المختلفة ، فيكون لكلّ بقعة طلوع خاصّ بها .
وعلى ضوء هذا البيان فقد اتّضح أنّ قياس هذه الظاهرة الكونية بمسألة طلوع الشمس وغروبها قياس مع الفارق ؛ وذلك لأنّ الأرض بمقتضى كرويّتها تكون بطبيعة الحال لكلّ بقعة منها مشرق خاصّ ومغرب كذلك ، فلا يمكن أن يكون للأرض كلّها مشرق واحد ولا مغرب كذلك . وهذا بخلاف هذه الظاهرة الكونيّة - أي خروج القمر عن منطقة شعاع الشمس - فإنّه لعدم ارتباطه ببقاع الأرض وعدم صلته بها لا يمكن أن يتعدّد بتعدّدها .
ونتيجة ذلك أنّ رؤية الهلال في بلد ما أمارة قطعيّة على خروج القمر عن الموضع المذكور الذي يتّخذه من الشمس في نهاية دورته ، وبداية لشهر قمري جديد لأهل الأرض جميعا لا لخصوص البلد الذي يرى فيه وما يتّفق معه في الأفق .
ومن هنا يظهر أنّ ذهاب المشهور إلى اعتبار اتّحاد البلدان في الأفق مبنيّ على تخيّل ارتباط خروج القمر عن تحت الشعاع ببقاع الأرض كارتباط طلوع الشمس وغروبها إلّا