الواقع بمثل هذه التعبيرات والقول بالتعبّد خلاف المقطوع به ، مع أنّ في المقام خصوصية وهو أنّ التعبّد بمثل هذه العبارة هو التعبّد بالتنزيل ، والتنزيل التعبّدي الحكميّ إنّما يتصوّر في مورد عدم الموضوع فلا بدّ من لحاظ عدم الموضوع فيه ، والمفروض شمول الإطلاق لصورة وجود الموضوع أيضا . ولحاظ عدم الموضوع وعدم هذا اللحاظ في لحاظ واحد غير معقول . وعلى هذا يعلم أحد أمرين ، إمّا أنّ المشار إليه عنوان الفطر أو الأضحى أو أنّ المسلمين خصوص مسلمي بلد العيد .
وأمّا الثاني فالآية الكريمة الظاهرة في أنّ ليلة القدر ليلة واحدة شخصيّة ضرورة أنّ القرآن نزل في ليلة واحدة وهي ليلة القدر ، و
فِيها يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ
، ويكتب الأرزاق والبلايا والمنايا في هذه الليلة ، وهذا لا يتمّ إلّا بكونها ليلة واحدة شخصيّة .
أقول : مضافا إلى ما مرّ نفس هذا الاستدلال لا يتمّ ؛ فإنّ نزول القرآن في ليلة واحدة وهي ليلة القدر لا يستلزم انحصار ليلة القدر بما أنزل فيه القرآن بل يمكن تعدّد الليلة والقرآن أنزل في ليلة واحدة منها ، ويصحّ أن يقال
إِنَّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ
. وهكذا قضية كتابة الأرزاق والبلايا والمنايا في ليلة القدر لا تستدعي الوحدة . وهكذا الكلام في تفريق كلّ أمر حكيم ؛ فإنّه أيضا لا يستلزم وحدة الليلة . والذي يسهّل الخطب أنّ المقام ليس مقام التمسّك بالألفاظ والإطلاقات ، فما ذكره أخيرا من قوله « هذا مضافا إلى سكون الروايات بأجمعها عن اعتبار اتّحاد الأفق في هذه المسألة ، ولم يرد ذلك حتّى في رواية ضعيفة » « 1 » أيضا غير وجيه ؛ فإنّ المسألة غير مرتبطة بالرواية عن المعصوم ولا تنالها يد التعبّد حتّى تطلب من الروايات ، بل لا بدّ من أخذها من العلم المعدّ له ، وقد ثبت الاختلاف باختلاف الأفق إلّا أن يكون البلد المرئيّ فيه شرقيا ، فمع رؤيته في البلاد الشرقية يرى في البلاد الغربية بخلاف العكس ، وقد مرّ وجه ذلك ، وهنا إشكال نقضيّ يرد على السيّد الأستاذ ( مدّ ظلّه ) وهو الحكم في البلاد التي يكون اليوم فيها مقارنا للّيل في بلادنا ، والليل فيها قارنا لليوم فيه . فإذا كان اليوم في بلادنا يوم العيد فهل يلتزم بأنّه عيد بالنسبة إليهم مع كونهم في الليل ؟ وكذا لو كان الليل في بلادنا ليلة القدر فهل يلتزم بأنّه ليلة القدر في بلادهم أيضا مع كونهم في اليوم ؟ ولا يمكن التفصّي
هامش
( 1 ) . منهاج الصالحين ، ج 1 ، ص 299 .