صومنا ، وفطرهم خلاف فطرنا ؟ فوقّع عليه السّلام : « لا تصومنّ الشكّ ، أفطر لرؤيته وصم لرؤيته » . « 1 »
وجه الاستدلال : أنّ السائل سأل عن قول أهل الحساب برؤية الهلال في الأندلس وإفريقية ، فأجاب عليه السّلام بأنّه لا صوم مع الشكّ ، ولم يجب بأنّ الرؤية في البلاد البعيدة لا تكفي .
يلاحظ عليه : أنّ البلد الراوي عنه واقع في غرب العراق الذي كان الإمام والراوي يقطنان فيه ، وقد عرفت أنّ ثبوت الهلال فيه لا يكون دليلا على وجود الهلال في سماء البلد الشرقي عند الغروب ؛ إذ من المحتمل جدّا عدم تكوّنه عند غروب الشمس عنه . وعندئذ كان لإرشاد الراوي إلى الحكم الواقعي ( عدم الملازمة بين الرؤيتين ) طريقان :
الأوّل : أن يشير الإمام إلى عدم الملازمة بين الرؤيتين ؛ لاختلاف البلدين في الأفق ، وأنّ الرؤية في الآفاق الغربية لا يكون دليلا على كون الهلال وولادته في الآفاق الشرقية ، ويشرح حقيقة ذلك الأمر .
الثاني : أن يثير احتمال تطرّق الخطأ في حساب المنجّمين ، خصوصا أنّ السماء كانت في العراق صافية ولم يره أحد ، وهذا ما يؤيّد وجود الخطأ في حسابهم . وقد اختار الإمام هذا الجواب لسهولته وقال : إنّ الصوم والإفطار مبنيّان على اليقين دون الشكّ . وسكوت الإمام عن الجواب الأوّل لا يكون دليلا على عدم اعتبار وحدة الأفق ؛ إذ من المحتمل أن لا تكون الظروف مساعدة لإلقاء هذا النوع من الجواب .
وربما يعضد هذا القول بالدعاء المأثور في صلاة العيد : « أسألك بحقّ هذا اليوم الذي جعلته للمسلمين عيدا » .
فإنّه يعلم منه بوضوح أنّ يوما واحدا شخصيا يشار إليه بكلمة « هذا » هو عيد لجميع المسلمين المتشتّتين في أرجاء المعمورة على اختلاف آفاقها لا لخصوص بلد دون آخر .
وهكذا الآية الشريفة الواردة في ليلة القدر ، وأنّها
خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ
و
فِيها يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ
، فإنّها ظاهرة في أنّها ليلة واحدة معيّنة ذات أحكام خاصّة لكافّة الناس وجميع أهل العالم ، لا أنّ لكلّ صقع وبقعة ليلة خاصّة مغايرة لبقعة أخرى من بقاع الأرض . « 2 »
هامش
( 1 ) . وسائل الشيعة ، ج 10 ، ص 297 ، أبواب أحكام شهر رمضان ، الباب 15 ، ح 1 .
( 2 ) . مستند العروة ، ج 2 ، ص 122 .