أقول : إنّ الاستدلال بهذه الإطلاقات مع العلم بأنّ الوسائل النقلية المتاحة آنذاك كانت محدودة جدّا ، فالمسافر الذي ينقل الخبر يأتي من بلد إلى بلد تكون المسافة بينهما خمسين كيلومترا أو قريبا منه ، وهذا المقدار من المسافة ، بل أكثر منها بكثير - كما عرفت - لا تؤثّر في وحدة الأفق ، وقلّما يتّفق أن يخرج إنسان من مصر ويدخل بغداد حاملا خبر الهلال ، ويكون قوله حجّة لأهل بغداد التي تقع في الجانب الشرقي بالنسبة إلى مصر ، وإن كنت في شكّ فلاحظ حديث الخرّاز ، حيث يقول : « وإذا كانت في السماء علّة قبلت شهادة رجلين يدخلان ويخرجان من مصر » « 1 » .
فإنّ الخبر ظاهر في أنّ البيّنة رأت الهلال قبل يوم ودخلت مصر بعد يوم ، ومن المعلوم أنّ مثل هذا لا يصدق على المسافات الشاسعة .
ومنه يعلم أنّ الاستدلال بصحيحة أبي بصير التي جاء فيها : « إلّا أن يثبت شاهدان عدلان من جميع أهل الصلاة متى كان رأس الشهر » في غير محلّه . فإنّ قوله : « من جميع أهل الصلاة » ناظر إلى عمومية الحكم لجميع المسلمين على اختلاف مشاربهم ومذاهبهم ، لا على اختلاف بلادهم في الآفاق .
كما أنّ المراد من قوله : « أهل الأمصار » في نفس الصحيحة هي الأمصار المتقاربة التي كان الرجل يقطع بينهما حسب الوسائل النقلية المتوفّرة في يوم أو يومين ، ويحمل خبر الرؤية .
الثالث : صحيحة عيسى بن عبيد
روى محمّد بن عيسى بن عبيد قال :
كتب إليه أبو عمر « 2 » : أخبرني يا مولاي ، إنّه ربما أشكل علينا هلال شهر رمضان فلا نراه ونرى السماء ليست فيها علّة فيفطر الناس ونفطر معهم ، ويقول قوم من الحسّاب قبلنا :
إنّه يرى في تلك الليلة بعينها بمصر وإفريقية والأندلس ، فهل يجوز - يا مولاي - ما قال الحسّاب في هذا الباب حتّى يختلف القرص على أهل الأمصار ، فيكون صومهم خلاف
هامش
( 1 ) . وسائل الشيعة ، ج 10 ، ص 289 ، أبواب أحكام شهر رمضان ، الباب 11 ، ح 10 .
( 2 ) . أبو عمر الحذّاء من أصحاب الإمام الهادي عليه السّلام .