فيكون قوله تعالى :
فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ
أي من شاهد منكم الشهر مقيما فليصمه . وقيل :
إنّ
شَهِدَ
بمعنى حضر ، فيكون المعنى من شهد الشهر : من حضره ولم يغب ؛ لأنّه يقال : شاهد بمعنى حاضر .
وقد رجّح بعض المفسّرين « 1 » أن يكون معنى « شهد » حضر ، فتكون الآية أجنبيّة عن المقام ؛ إذ هي ليست بصدد بيان طريق إحراز الشهر ، بل هي بصدد تقييد وجوب الصوم بالإقامة وعدم السفر .
وللسيّد الطباطبائي رأي آخر في تفسير قوله تعالى :
شَهِدَ
. ومعنى « شهد » عنده أي : من علم بتحقّق الشهر ، فيكون « شهد » بمعنى الشهادة وهي الحضور ، والذي يحصل للشاهد بسببه حضور العلم به « 2 » . وعلى هذا ، لا يكون المعنى من شهود الشهر رؤية هلاله ، ولا يكون الحضور بمعنى الإقامة في مقابل السفر ؛ وذلك لعدم القرينة على ذلك من الآية الكريمة ، وإن كان ممّا يتوصّل إليه بالقرائن ، فيكون من اللوازم .
وعليه فتكون الآية بصدد بيان أنّ إحراز الشهر - موضوع وجوب الصوم - يحصل بالعلم الأعمّ من الرؤية ، وإن كانت الرؤية ممّا يحرز به الشهر بلا ريب .
فقه الآية الثانية : وقد يستدلّ بقوله تعالى :
يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَواقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ
على اشتراط الرؤية بالطريق العادي المتعارف عليه عند الناس ممّا يناله المستهلّون « 3 » .
ولكنّ الاستدلال المذكور يتوقّف على تحديد ما إذا كان السؤال في الآية الكريمة على الهلال وأحواله ، أو أنّه عن الشهور .
وقد رجّح بعض المفسّرين « 4 » أن يكون الهلال في الآية بمعنى الشهر ، فالأهلّة هي الشهور الاثنا عشر ، ولذا جاء الجواب مطابقا للسؤال .
وذكر السيّد الطباطبائي أنّ الآية بصدد أنّ فائدة الأهلّة وهو ظهور القمر هلالا بعد هلال ،
هامش
( 1 ) . مثل الطبرسي في مجمع البيان ، ج 1 ، ص 274 ؛ ومغنية في الكاشف ، ج 1 ، ص 284 ؛ والكاظمي في مسالك الأفهام ، ج 1 ، ص 332 .
( 2 ) . الميزان في تفسير القرآن ، ج 2 ، ص 24 .
( 3 ) . مختلف الشيعة ، ج 3 ، ص 362 ، المسألة 91 .
( 4 ) . الجديد في تفسير القرآن ( لمحمد السبزواري ) ، ج 1 ، ص 226 .