وأمّا مع العلم بالخطإ : فإن كان العلم بمخالفة الحكم للواقع - وإن كان الاجتهاد صحيحا - فلا مجال للعمل به قطعا ؛ لما عرفت من امتناع الحجّيّة مع العلم بالوفاق أو الخلاف .
وكذا مع العلم بخطإ الطريق ، سواء كان في المستند أم الاستناد ، وسواء كان عن تقصير أم قصور على الأصحّ ؛ لما مرّ آنفا من عدم موضوعيّة هذا الحكم لدليل وجوب القبول بالتقريب المتقدّم ، ومع العلم بعدم موضوعيّة هذا الحكم لوجوب القبول وحرمة الردّ أو الشكّ فيها لا مجال للتمسّك بالدليل ؛ لكونه في صورة الشكّ تمسّكا بالدليل في الشبهة الموضوعيّة ، والله العالم .
الأمر الخامس : أنّ الحكم من سنخ الإنشاء ،
فلا يتحقّق إلّا بالإنشاء ، كسائر الانشائيّات من العقود والإيقاعات ، فلا بدّ من إنشائه بلفظ يكون صريحا أو ظاهرا فيه بحسب المتفاهم العرفي ، سواء كان اللفظ ظاهرا في إنشاء نفس الحكم ، كأن يقول : « حكمت بكون الغد أوّل شوّال » ، أم في بعض لوازمه ، كأن يقول : « ألزمت على الناس إفطار الغد » ، أو « حرّمت عليهم صوم الغد » ، ونحو ذلك من اللوازم والآثار المترتّبة على عيد الفطر .
وأمّا إذا قال : « ثبت عندي الهلال » ، فإن كان محفوفا بقرينة حاليّة أو مقاليّة توجب ظهور الثبوت في الحكم ، فلا إشكال ؛ إذ لم ترد صيغة خاصّة في حكم الحاكم ، كما وردت في بعض الإيقاعات ، وإلّا ففيه إشكال ، بل منع ؛ لأنّ الثبوت أعمّ من الحكم ، كالثبوت بالبيّنة ، فإنّ الحاكم يخبر حينئذ بثبوت الهلال عنده بالبيّنة كثبوته بها عند غيره ، وهذا الثبوت إخبار لا إنشاء ، ومع الشكّ في كون مفاد عبارته حكما أو إخبارا فمقتضى الأصل عدم ترتّب آثار الحكم عليه ؛ للشكّ في الموضوع ، المستتبع للشكّ في الحكم .
وتوهّم لزوم ترتيب آثار أوّل الشهر على قوله ، سواء كان إنشاء للحكم أم إخبارا بثبوت الهلال بالبيّنة ، غاية الأمر أنّه على الأوّل حكم ، وعلى الثاني شهادة بأنّ البيّنة شهدت بالرؤية ، مدفوع : بأنّه بناء على الإخبار يندرج في باب الشهادة ، ويعتبر التعدّد في الشهادة بالموضوعات ، ولا يكفي العدل الواحد فيها .
نعم ، إخباره بحكمه بكون الغد أوّل الشهر وإن كان إخبارا أيضا بموضوع ، فلا يكتفى به ، كسائر الموضوعات ، لكنّه بقاعدة « من ملك » يصدّق في إخباره هذا ؛ لأنّه إقرار بما ملكه من الحكم ، نظير إقرار مالك مال بتوكيل شخص في بيع ماله ، أو الإيصاء إلى شخص ، وهكذا غيرهما من موارد قاعدة « من ملك » .