الأولى لا تقصر عن مرتبة الصحيح ؛ لأنّ دخولها في مرتبة الحسن بإبراهيم بن هاشم ، ومن ثمّ تردّد المحقّق في النافع والمعتبر . وهو في محلّه « 1 » .
وقد عرفت أنّ روايتي جرّاح وابن عيسى حسنتان ، وأنّ رواية ابن بكير ضعيفة بأبي جعفر ، لا موثّقة بابن فضّال ، فلم يبق لهم في المسألة خبر إلّا رواية حمّاد ، وهي وإن كانت حسنة أو صحيحة لكنّها لا تنهض حجّة في معارضة الأصل والاستصحاب والشهرة بين الأصحاب وتلك الأخبار وخاصّة صحيحة ابن قيس وما في معناها من أخبار الرؤية ، وعدم الخروج عن اليقين ، والأغلب من كون الشهر تماما ، إلى غير ذلك ممّا سبقت إليه الإشارة ، مع احتمال كونها محمولة على التقيّة ، كما أومأنا إليه . فالتوقّف في غير محلّه .
ثمّ قال رحمه اللّه بعد كلام :
وكان رحمه اللّه - يعني صاحب الذخيرة - يؤوّل رواية إسماعيل بن الحرّ المجهول به : عن أبي عبد الله عليه السلام : « إذا غاب الهلال قبل الشفق فهو لليلته ، وإذا غاب بعد الشفق فهو لليلتين » : بأنّه يمكن أن يكون المراد بكونه لليلتين أنّه كذلك في الأغلب ، لا لكونه كذلك دائما الذي يعتبر في العلامة . فعلى ما ذكره ليس هذا الكلام في قوله عليه السلام لبيان اختلاف حكم الغروب قبل الشفق وبعده في الصوم والفطر وغيرهما ، بل لبيان كون الأمر في الغالب كذلك وإن لم يظهر للناظر إلى الهلال كون هذا الهلال الذي غاب بعد الشفق لليلتين أم لا ؟
وهذا التأويل أو غيره لازم في هذه الرواية ؛ لمعارضتها رواية واضحة الدلالة ، معتبرة السند ، الدالّة على أنّ الهلال الذي غاب بعد الشفق بزمان طويل لليلته لو فرض عدم تقوية التجربة هذه الرواية .
وهذا التأويل الذي ذكره رحمه اللّه في رواية إسماعيل بن الحرّ بعينه جار في الحسنة التي استدلّ بها على مذهب السيّد رحمه اللّه بلا تفاوت ، ولا يبعد ورود الموثّقة على وفق مذهب بعض العامّة الذي كان في زمانه عليه السلام .
أقول : نفي البعد عن ورود الموثّقة على التقيّة وتخصيصها بها ليس له وجه على الظاهر ؛ فإنّ الحسنة مثلها في ذلك ، كما أومأت إليه ، على أنّك قد عرفت أنّها ليست بموثّقة ، بل هي ضعيفة السند ، كما أوضحته .
هامش
( 1 ) . مدارك الأحكام ، ج 6 ، ص 181 .