القول بجواز النيّة حين رؤية الهلال ؛ لظهور كونه يوم صوم حينئذ ، فكان نيّة المكلّف وجوب الصوم قبل هذا متعذّرة ، فيندرج حينئذ في عموم ما يدلّ على جواز النيّة .
وأمّا إثبات كون هذا اليوم يوم صوم بدليل يدلّ على جواز النيّة إلى هذا الوقت فيما علم كونه يوم صوم ، فلا وجه له .
وبالجملة ، ذكر أمثال هذين الاحتمالين في الأخبار إن صحّ فإنّما يصحّ بعنوان الاحتمال في رواية تعارض الدليل القويّ التامّ لو لم يذكر ، وأمّا ذكرها للاستدلال على أمر فخارج عن القانون ونقل الاستدلال بعموم الأخبار على عدم اعتبار الرؤية قبل الزوال عن الحرّ العاملي في سنة كانت هذه المسألة دائرة في الألسنة ، حتّى نقل أنّه يقول : إنّ هنا ثمانون حديثا على عدم الاعتبار ، ولم ينقل عنه وجه الدلالة .
ويمكن تقريبه بأنّ الأمر بالصيام في مثل قوله عليه السلام : « إذا رأيت الهلال فصم ، وإذا رأيته فأفطر » إمّا محمول على رؤيته قبل الزوال بخصوصه ، أو بعده بخصوصه ، أو الأعمّ ، والتقييد خلاف الأصل ، فالظاهر الإطلاق ، وظاهر أنّ الأمر بالصيام والإفطار عند رؤية الهلال بعد الزوال هو الأمر بهما في اليوم الآتي .
فينبغي أن يحمل وجوب أحدهما عند رؤيته قبل الزوال أيضا على كونه في اليوم الآتي ؛ لئلّا يصير كلامهم عليهم السلام بعيدا عن الإفادة كالألغاز ، فيكون الاستدلال على عدم الاعتبار بعد هذا التقريب له وجه لا يبعد ذكره وإن كان ضعيفا في نفسه ، لاحتمال إرادة الأفراد الشائعة من الرؤية ، وهي رؤيته بعد الزوال ، ويكون غيرها مسكوتا عنه .
أقول : لا يبعد أن يكون محمولا على الرؤية المعتبرة في دخول الشهر شرعا ، وقد عرفت أنّ زمان دخوله من حين الغروب ، فيكون المراد بتلك الرؤية هو الرؤية المتعارفة التي تكون بالليل ، فلا تشمل أخبارها لرؤية النهار ، كما صرّح بذلك الفاضل الأردبيلي في شرح الإرشاد « 1 » .
ويؤيّده ما سبق أنّ فزع المسلمين من وقت النبيّ صلّى اللّه عليه وآله ومن بعده إلى زماننا هذا في تعرّف دخول الشهر إلى معاينة الهلال ورؤيته إنّما كان في ليلة تحتمل فيها الرؤية ، وهي ليلة الثلاثين لا في نهارها قبل الزوال .
هامش
( 1 ) . مجمع الفائدة والبرهان ، ج 5 ، ص 301 .