والقياس في ذلك أن لا يقبل إلّا شاهدان ، ولا أقبل على رؤية هلال الفطر إلّا عدلين .
قال أبو بكر : إنّما اعتبر أصحابنا - إذا لم يكن بالسماء علّة - شهادة الجمع الكثير الذين يقع العلم بخبرهم ؛ لأنّ ذلك فرض قد عمّت الحاجة إليه ، والناس مأمورون بطلب الهلال ، فغير جائز أن يطلبه الجمع الكثير ولا علّة بالسماء مع توافي هممهم وحرصهم على رؤيته ، ثمّ يراه النفر اليسير منهم ، ولا يراه الباقون مع صحّة أبصارهم وارتفاع الموانع عنهم ، فإذا أخبر بذلك النفر اليسير منهم دون كافّتهم علمنا أنّهم غالطون غير مصيبين ، فإمّا أن يكونوا رأوا خيالا فظنّوه هلالا أو تعمّدوا الكذب ؛ إذ جواز ذلك عليهم غير ممتنع ، وهذا أصل صحيح تقتضي العقول بصحّته ، وعليه مبنى أمر الشريعة ، والخطأ فيه يعظم ضرره ، ويتوصّل به الملحدون إلى إدخال الشبهة على الأغمار والحشو وعلى من لم يتيقّن ما ذكرنا من الأصل .
ولذلك قال أصحابنا : ما كان من أحكام الشريعة بالناس حاجة إلى معرفته فسبيل ثبوته الاستفاضة والخبر الموجب للعلم ، وغير جائز إثبات مثله بأخبار الآحاد ، نحو إيجاب الوضوء من مسّ الذكر ومسّ المرأة والوضوء ممّا مسّت النار والوضوء مع عدم تسمية الله عليه ، فقالوا : لمّا كانت البلوى عامّة من كافّة الناس بهذه الأمور ونظائرها فغيرها جائز أن يكون فيه حكم الله تعالى من طريق التوقيف إلّا وقد بلغ النبيّ صلّى اللّه عليه وآله وسلّم ذلك ، ووقف الكافّة عليه ، وإذا عرفته الكافّة فغير جائز عليها ترك النقل والاقتصار على ما ينقله الواحد منهم بعد الواحد ؛ لأنّهم مأمورون بنقله ، وهم الحجّة على ذلك المنقول إليهم ، وغير جائز لها تضييع موضع الحجّة ، فعلمنا بذلك أنّه لم يكن من النبيّ صلّى اللّه عليه وآله وسلّم توقيف في هذه الأمور ونظائرها ، وجائز أن يكون كان منه قول يحتمل المعاني فحمله الناقلون الأفراد على الوجه الذي ظنّوه دون الوجه الآخر ، نحو الوضوء من مسّ الذكر يحتمل غسل اليد على نحو قوله صلّى اللّه عليه وآله وسلّم : « إذا استيقظ أحدكم من منامه فليغسل يده ثلاثا قبل أن يدخلها في الإناء ؛ فإنّه لا يدري أين باتت يده » وقد بيّنّا أصل ذلك في أصول الفقه . . . .
فإن قيل : أمر الأذان والإقامة ورفع اليدين في تكبير الركوع وتكبيرات العيدين وأيّام التشريق ممّا عمّت البلوى به ، وقد اختلفوا فيه ، فكلّ من يروي عن النبيّ صلّى اللّه عليه وآله وسلّم فيه شيئا فإنّما يرويه من طريق الآحاد ، فلا يخلو حينئذ ذلك من أحد وجهين : إمّا أن يكون لم يكن من النبيّ صلّى اللّه عليه وآله وسلّم توقيف للكافّة مع عموم الحاجة إليه ، وفي هذا ما يبطل أصلك الذي بنيت عليه
رؤيت هلال ( فارسي ) — صفحة 30
مساهمون: رضا مختاري
ص٣٠