إلى القرينة السابقة فيها ( بعد إصلاحها ) تتضمّن قرينة أخرى وهي : إنّ عدم شيوع الفساد وانتشاره في الأرض هو ممّا طالب به شعيب عليه السلام قومه ، وليس مراده فساداً خاصّاً بعينه .
وكذا قوله تعالى :
وَلا تُطِيعُوا أَمْرَ الْمُسْرِفِينَ ( * ) الَّذِينَ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ وَلا يُصْلِحُونَ
« 1 » وقوله تعالى :
وَقالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ أَ تَذَرُ مُوسى وَقَوْمَهُ لِيُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ قالَ سَنُقَتِّلُ أَبْناءَهُمْ وَنَسْتَحْيِي نِساءَهُمْ وَإِنَّا فَوْقَهُمْ قاهِرُونَ
« 2 » ؛ فإنّها ظاهرة في الفساد الاجتماعي العام ، وهي تصلح قرينة لإرادة هذا المعنى فيما سواها من الآيات الأخرى ؛ لأنّ هذه الآية وسواها تريد أن تستثير فطرة الإنسان القاضية بقبح الفساد في الأرض ، فالملإ من قوم فرعون كانوا يدركون بفطرتهم قبح الفساد في الأرض وإن كانوا ينسبوه إلى موسى عليه السلام زوراً وبهتاناً . وعليه فهذه الآية يراد بها - بمقتضى القرينة المذكورة - ما ذكرناه وبها تفسّر باقي الآيات وتُدفع سائر الاحتمالات المخالفة ما لم ترد في مورد آخر قرينة أقوى على العكس .
وكذا قوله تعالى :
لَتُفْسِدُنَّ فِي الْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ
« 3 » يراد به الفساد الواسع والشامل ، وكذا قوله تعالى :
فَلَوْ لا كانَ مِنَ الْقُرُونِ مِنْ قَبْلِكُمْ أُولُوا بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسادِ فِي الْأَرْضِ إِلَّا قَلِيلًا مِمَّنْ أَنْجَيْنا مِنْهُمْ وَاتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا ما أُتْرِفُوا فِيهِ وَكانُوا مُجْرِمِينَ
« 4 » ولكن يمكن هنا في هذه الآية إرادة كلا الاحتمالين ، أي : الفساد العام في الأرض ، أو كون الأرض ظرفاً .
وكذا قوله تعالى :
قالَتْ إِنَّ الْمُلُوكَ إِذا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوها . . .
« 5 » وهذه الآية وإن لم يرد فيها لفظ الأرض ، بل ورد فيها لفظ القرية لكنّها في قوّة الفساد في الأرض ، والمراد بها : هو الإفساد الشامل ، فتصلح قرينة لما سواها .
وكذا قوله تعالى :
وَكانَ فِي الْمَدِينَةِ تِسْعَةُ رَهْطٍ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ وَلا يُصْلِحُونَ
« 6 » وقوله تعالى :
وَلا تَبْغِ الْفَسادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لا
هامش
( 1 ) - الشعراء : 151 - 152 .
( 2 ) - الأعراف : 127 .
( 3 ) - الإسراء : 4 .
( 4 ) - هود : 116 .
( 5 ) - النمل : 34 .
( 6 ) - النمل : 48 .