تفسيرها وبمساعدة باقي الآيات في الفساد الاجتماعي العام لا الفساد الفردي ؛ وذلك بقرينة قوله تعالى بعد ذلك :
وَيَسْفِكُ الدِّماءَ
.
والمتحصّل من هاتين الآيتين ( 32 و 33 ) من سورة المائدة هو إرادة المرتبة العالية من الإفساد ، لا مطلق الإفساد .
وهذا ما فهمه اليهود أيضاً من عنوان الفساد حينما اعترضوا على النبي صلى الله عليه وآله وسلم في غزوة بني النضير عندما قطع بعض المسلمين نخيلهم أو أحرقوها فقالوا له : « يا محمد زعمت أنّك تريد الصلاح ، أفمن الصلاح قطع النخل ؟ ! وهل وجدت فيما زعمت أنّه أنزل عليك بالفساد في الأرض ؟ ! وقالوا للمؤمنين : إنّكم تكرهون الفساد وأنتم مفسدون » « 1 » .
إن قلت : إنّ الله تعالى نقل عن إخوة يوسف عليه السلام قولهم :
تَاللَّهِ لَقَدْ عَلِمْتُمْ ما جِئْنا لِنُفْسِدَ فِي الْأَرْضِ وَما كُنَّا سارِقِينَ
« 2 » مع أنّ صواع الملك لم يفقد إلا مرّة واحدة ، فيعلم أنّ الفساد في الأرض يكفي في استعماله وصدقه حصوله ولو مرّة واحدة .
قلت : أوّلًا : يوجد في هذا المورد قرينة تعيّن ذلك .
وثانياً : إنّ مراد اخوة يوسف عليه السلام هو أنّ مثل هذا العمل إنّما هو عمل المفسدين في الأرض ولسنا منهم ، لا أنّ خصوص هذا العمل هو فساد في الأرض ونحن لم نفعله ؛ ولذا لم يقولوا ؛ نحن لم نسرق ، بل قالوا :
وَما كُنَّا سارِقِينَ
أي : ليس من شأننا ولا دأبنا ذلك .
وثالثاً : إنّه من غير المستبعد إرادة المعنى المطلوب إثباته ؛ وذلك نظراً لحساسية الموقف وتسببه - نتيجة غضب الملك - في اختلال الوضع العام وتأمين المواد الغذائية لقطاع من الناس .
هامش
( 1 ) - السيرة الحلبية ( الحلبي ) 564 : 2 .
( 2 ) - يوسف : 73 .