الاستفادة منها في فهم وتحديد معنى ( الفساد في الأرض ) ، كما في قوله تعالى :
وَإِذا قِيلَ لَهُمْ لا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قالُوا إِنَّما نَحْنُ مُصْلِحُونَ ( * ) أَلا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلكِنْ لا يَشْعُرُونَ
« 1 » . فإنّ المستفاد منها هو المعنى الأخصّ للإفساد ، أي : الإفساد العام والشامل ، لا الإفساد في حالة أو مورد خاصّ - وإن كان ذلك محرّماً في نفسه أيضاً - وإلا لما عبّر ب - ( الأرض ) ؛ إذ من الواضح أنّ الإفساد من قبل الإنسان إنّما يكون في الأرض وليس في السماء ، وإذا وقع منه ذلك في السماء فلا بدّ من حذف قيد في الأرض ، وعليه فالمراد في الآية ليس تحديد الظرف والمكان ، وإنّما الإشارة إلى سعة الفساد وشموله .
وهكذا نلاحظ المعنى نفسه في قوله تعالى :
وَلَوْ لا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ وَلكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعالَمِينَ
« 2 » فالآية وإن لم يرد فيها لفظ ( الإفساد ) من باب الإفعال وإنّما ورد فيها ( فسدت الأرض ) ولكن الظاهر إرادة الفساد الخاصّ الذي يختلف عن مطلق الفساد .
وكذلك قوله تعالى :
وَلا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ *
« 3 » ولا تعثوا ، أي : لا تفسدوا فساداً شديداً ، وإنما تكرّر الفساد للتأكيد . علماً بأنّ هذه الآية قد تكرّرت في سور أخرى أيضاً « 4 » .
وكذا قوله تعالى :
كُلَّما أَوْقَدُوا ناراً لِلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللَّهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَساداً وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ
« 5 » فإنّ المراد بالفساد هنا الفساد الشامل .
وكذا قوله تعالى :
وَلا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاحِها وَادْعُوهُ خَوْفاً وَطَمَعاً إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ
« 6 » فإنّ المراد : هو الفساد العام الشامل أيضاً بقرينة ( بعد اصلاحها ) .
وكذا قوله تعالى :
وَلا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاحِها ذلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ
« 7 » وهي تشابه الآية السابقة في الدلالة وتقريبها ، وهي مضافاً
هامش
( 1 ) - البقرة : 11 - 12 .
( 2 ) - البقرة : 251 .
( 3 ) - البقرة : 60 .
( 4 ) - الأعراف : 74 ، هود : 85 ، الشعراء : 183 ، العنكبوت : 36 .
( 5 ) - المائدة : 64 .
( 6 ) - الأعراف : 56 .
( 7 ) - الأعراف : 85 .