3 - إنّ الأصل عدم النسخ سواء كان بمعناه الاصطلاحي الخاص ، أو بمعناه الواسع ، فعلى مدّعي النسخ أنْ يأتي بدليل محكم ، وإلّا صرف الادّعاء والاحتمال لا يسمن ولا يغني من جوع ، فعلى المدّعي يقع عبء الاثبات ، وإنّما نطالب المدّعي بالدليل باعتبار أنّ دعوى النسخ مخالفة لظاهر الكتاب والخطاب ومغايرة للهدف والمقصود ، وعليه فدعوى النسخ في المقام ليست بحاجة إلى ردّ .
4 - إنّ فكرة النسخ هنا غير صحيحة ؛ وذلك :
الإمكان الجمع بين مداليل هذه الآيات وعدم استحكام التنافي بين مضامينها ، ويظهر ذلك من مراجعة البحث في قوله تعالى :
وَلِكُلٍّ جَعَلْنا مَوالِيَ مِمَّا تَرَكَ الْوالِدانِ وَالْأَقْرَبُونَ وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمانُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ
والآراء المطروحة في تفسير الآية ، وبعض النصوص الأخرى .
إذ يمكن استفادة وجوه عديدة للجمع بين هذه الآيات ، منها :
ما ذكره السائس في غضون بحثه حول قوله تعالى :
وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمانُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ
فبعد أن فسّره بإعطاء الحليف نصيبه المسمّى له في عقد المحالفة ، قال : « فقد عقلنا من ذلك أنّ لمولى الموالاة نصيباً من الميراث ، وقوله تعالى :
وَأُولُوا الْأَرْحامِ بَعْضُهُمْ أَوْلى بِبَعْضٍ *
لم ينسخ هذا الحكم ، إنّما حدث وارث آخر هو أولى من مولى الموالاة ، كحدوث ابن لمن له أخ لم يخرج الأخ عن أن يكون من أهل الميراث إلّا أنّ الابن أولى منه ، وكذلك أولو الأرحام أولى من الحليف ، فإذا لم يكن رحم ولا عصبة فالميراث لمن حالفه وجعله له » « 1 » .
وقد سبقه إلى ذلك أبو بكر الجصاص حيث قال : « . . . وقال آخرون : ليس بمنسوخ من الأصل ، ولكنّه جعل ذوي الأرحام أولى من موالي المعاقدة ، فنسخ ميراثهم في حال وجود القرابات ، وهو باقٍ لهم إذا فقد الأقرباء على الأصل الذي كان عليه » « 2 » .
هامش
( 1 ) - تفسير آيات الأحكام ( السائس ) 444 : 1 .
( 2 ) - أحكام القرآن ( الجصاص ) 263 : 2 - 264 .