ثمّ إنّ تقديم الوصية في الذكر مع كونها مؤخّرة عن الدَّين في حكم الشرع ؛ لوجوه ذكروها :
منها : لأنّها أكثر وقوعاً من الدَّين ، فصارت كاللازم لكلّ ميت مع نص الشارع عليها ، وأخّر الدَّين لندرته ، فبدأ بالذي يقع غالباً وعطف بالذي قد يقع أحياناً ، ويقوّي هذا : العطف ب -
أَوْ
؛ إذ لو كان الدَّين راتباً لكان العطف بالواو « 1 » .
ومنها : للاهتمام بها كي لا تُهمل ، فإنّها بحاجة إلى التأكيد والمبالغة ؛ إذ من المتوقّع أن لا يسمعها الوارث لكونها أشقّ عليه من الدَّين وأقرب منه في عدم القبول « 2 » ، فسوّيت مع الدَّين في التقديم حتى قدّمت ونزّلت منزلته ، لا لكونها أهم منه ، فإنّ تقدّم الدَّين لوضوحه غنىّ عن التقديم لفظاً .
ومنها : لأنّها مشابهة مع الإرث ؛ لتوقّف ثبوتها على الموت ، ولكونها مأخوذة من غير عوض ، فذكرت بعده « 3 » .
ومنها : إنّما قدّمت الوصية لأنّها حظّ مساكين وضعفاء ، واخّر الدَّين لأنّه حظّ غريم يطلبه بقوة وسلطان وله فيه مقال « 4 » .
ومنها : باعتبار أنّ الوصية ينشؤها الموصي من قِبل نفسه فقدّمها ، والدَّين حق ثابت لا بدّ من أدائه ذكره أو لم يذكره .
ومنها : أنّه ذكر الوصية ؛ لأنّها أمر مشكل ، هل يقصد ذلك ويلزم امتثاله ، أم لا ؟ فإنّ الدَّين كان ابتداءً تامّاً مشهوراً لا بدّ منه ، فقدّم المشكل ؛ لأنّه أهم في البيان .
ومنها : أنّ الوصية كانت مشروعة ثمّ نسخت في بعض الصّور ، فلمّا ضعّفها النسخ قوّيت بتقديم الذكر « 5 » .
ويمكن أن يضاف وجه آخر : وهو أنّ أغلب الناس إذا أوصى تقدّم الواجبات في الوصية عادة ومنها الدَّين .
هامش
( 1 ) - الجامع لأحكام القرآن ( القرطبي ) 74 : 5 .
( 2 ) - آيات الاحكام ( الجرجاني ) 585 : 2 .
( 3 ) - مسالك الأفهام ( الكاظمي ) 172 : 4 .
( 4 ) - الجامع لأحكام القرآن ( القرطبي ) 74 : 5 .
( 5 ) - أحكام القرآن ( ابن العربي ) 344 : 14 .