فكيف بكم أنتم الذين تدرسون ولكن من غير تفرّغ وانكباب في الدراسة وطلب العلم ، فإلى أين تريدون الوصول ؟ ! » . وهكذا هو أمر الحوزة اليوم ، الكثير يدرس ولكن من غير تفرّغ وانشغال تامّين في الدرس .
ومما كان يذكره أيضاً قوله قدس سره : « إنّ حقيقة الإسلام هي التي حفظت الإسلام وتحفظه ، وأمّا نحن فلم نقدّم للإسلام شيئاً » .
إنّ من العجب أن يسارع أحدنا فيما لو مرض هو أو أحد أبنائه إلى علاجه ، ولكننا نغفل عن علاج أنفسنا ، فكلنا مرضى ، وقلّما يتفق لغير المعصوم ألّا يكون مبتلى بأحد الأمراض الروحية ، وكل من يتنكر لذلك فإنّه لم يعرف نفسه ، وهو مغرور وجاهل جهلًا مركباً . لا أقول كم هو عدد الكمّل وأهل التهذيب والتزكية ! ولكني أقول : كم هو عدد من يفكر بتزكية نفسه وعلاج روحه ! فإنّ المنشأ في تمام مصائب الدنيا - ولا أقول مجتمعنا - هو هذه الأمراض الروحية . . طلب القدرة . . طلب السيادة . . طلب الجاه . . طلب الثروة والاستئثار بها . وللَّه درّ ذلك العبد الصالح الذي كان يتلو «
وَابْتَغِ فِيما آتاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ . . . »
؛ أي ابتغِ فيما آتاك اللَّه من العلم والمال والعزّة والمقام وغير ذلك ، ابتغِ بذلك الدار الآخرة واجعلها وسيلة لها لا غير .
وكما قلت فإنّ تزكية النفس دخيلة في كل شيء ؛ في طلب العلم وفي التبليغ والدعوة وفي الإفتاء ، وهكذا في القضاء لا بدّ أن يكون القاضي عزيز النفس ، ويعرف ما ذا يريد أن يقول ، وكيف يريد أن يقضي ، لا يرتشي ولا يُخدع .
إنّ إصلاح أمر القضاء لا يكون أصلًا وأبداً إلّا بتزكية النفس لا غير ، الخوف من اللَّه هو الذي يردع القاضي من أن يفكر ويخطط في الليل كيف يرتشي غداً ويبطل حقاً ويضيّعه ، فالوازع الداخلي خير ضمانة في السرّ والعلانية