عليها ، فكأنّ الآية تريد أن تقرر بأنّ من يهتدي عن طريق أحد هذه الطرق الثلاثة فهو مؤمن حقيقة . وفي غير هذه الحال فانّه حتى لو أظهر الإيمان لا يمكن الوثوق بذلك والتصديق به ولا يمكن فرض العقيدة فرضاً على أي إنسان ؛ وذلك « لأنّا إذا اعتبرنا عقيدة التوحيد من الحقوق الإنسانية حقاً فانّه لا يمكن أن نخوض حرباً نفرض بها على الأمم الأخرى مثل هذه العقيدة ؛ لأنّ العقيدة في حدّ ذاتها لا تقبل الفرض » « 1 » .
انّ الحرب أو معاقبة العدو في المنظور القرآني تعتبر آخر الحلول : «
وَإِنْ عاقَبْتُمْ فَعاقِبُوا بِمِثْلِ ما عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ »
« 2 » . فإذا استنفذت أساليب الحوار المنطقي والعاطفي والجدل أغراضها ولم ينتج المأمول وتحقق التجاوز والاعتداء من قبل العدو و « أريد العقوبة ( بسبب التعدي ) بمقدار التجاوز الحاصل » « 3 » فإنّه تجوز العقوبة حينئذ بالمثل لا أزيد ، بل الآية توصي في آخرها بالصبر . وعلى كلّ حال فإنّ القرآن الكريم لم يرد فيه ترخيص للمسلمين بنشر الدعوة بالحرب والقسر .
ثانياً - السنّة الشريفة :
كان المسلمون في بدايات الدعوة يستأذنون النبي صلى الله عليه وآله وسلم في القتال فلم يكن يأذن لهم لعدم مجيء الأمر به إلى ذلك الحين ، وكان المشركون آنذاك قد صادروا أموال المسلمين ، يقول العلّامة الطباطبائي : « وقد كان المؤمنون منذ زمان يسألون النبي صلى الله عليه وآله وسلم أن يأذن لهم في قتال المشركين فيقول لهم : لم أؤمر بشيء في القتال ، وكان يأتيه كل يوم وهو بمكة قبل الهجرة أفراد من المؤمنين بين مضروب ومشجوج ومعذب بالفتنة يشكون إليه ما يلقونه من عتاة مكة من المشركين فيسليهم ويأمرهم بالصبر وانتظار الفرج حتى نزلت الآيات وهي تشتمل على قوله : «
أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقاتَلُونَ . . . »
الخ » « 4 » .
إنّ من يلاحظ حروب النبي صلى الله عليه وآله وسلم يجد أنّ المنطلق فيها إمّا هو الردّ بالمثل
هامش
( 1 ) الجهاد ( للشهيد آية اللَّه المطهري ) : 50 ( بالفارسية ) .
( 2 ) النحل : 126 .
( 3 ) تفسير الأمثل 8 : 329 .
( 4 ) تفسير الميزان 14 : 384 .