مقعدة كبراً : ويلك ! دعني من أساطيرك لا تحمل عقوبتك على من لم يحمل عليك ، ولا تتطاول على من لم يتطاول عليك ؛ فإنه لا تدري ما تقربك إليه حوادث الدهور ، ولعل من صيّرك إلى هذا اليوم أن يصيّر غيرك إلى مثله غداً فينتقم منك أكثر مما انتقمت منه ! فاكفف عمّا أسمع منك ، ألم تسمع إلى قول الأول :
لا تعادِ الفقير علّك أن * تركع يوماً والدهر قد رفعه
قال أبان : فقضيت العجب من كلامها وبلاغتها « 1 » .
- وذكر الأصمعي عن أبان بن تغلب أنّه قال : أضللت إبلًا لي ، فخرجت في بغائها فإذا أنا بجارية أعشى إشراق وجهها بصري ، فقالت : ما لك يا عبد اللَّه وما بغيتك ؟ قلت : ضللت إبلًا لي فأنا في طلبها ، فقالت : أدلك على من علمها عنده ؟ قلت : إذن تستوجبي الأجر وتكتبي الحمد والشكر ، فقالت : سل الذي أعطاكهن فهو الذي أخذهن منك من طريق اليقين لا من طريق الاختبار فإنّه إن شاء فعل ، قال : فأعجبني ما رأيت من عقلها وسمعت من فصاحتها ، فقلت لها : ألك بعل ؟ فقالت : كان ونعم البعل كان ، فدعي إلى ما له خُلِق فأجاب ، فقلت لها : لك في بعل لا تذم خلائقه ولا تخاف بوائقه ؟ قال : فأطرقت طويلًا ثمّ قالت :
كنا كغصنين في ساقٍ غذاؤهما * ماء الجداول في روضات جنات
فاجتثَّ خيرهما من أصل صاحبه * دهر يكرّ بفرحات وترحات
وكان عاهدني إن خانني زمن * أن لا يضجع أنثى بعد مثواتي
وكنت عاهدته أيضاً فعاجله * ريب المنون قريباً منذ سنيات
فاصرف عتابك عمن ليس يردعها * عن الوفاء خلاب بالتحيات « 2 » .
هامش
( 1 ) - المصدر السابق : 41 .
( 2 ) - المصدر السابق : 53 .