وكان الإمام الصادق عليه السلام يحثّه على مجالسة أهل المدينة والحضور في أنديتهم العلمية قائلًا له : « جالس أهل المدينة ؛ فإنّي أحب أن يروا في شيعتنا مثلك » « 1 » ، وقوله عليه السلام له : « يا أبان ، ناظر أهل المدينة ؛ فإني أحب أن يكون مثلك من رواتي ورجالي » « 2 » .
وتستوقفنا هذه الأوامر والتوصيات الصادرة عنهم عليهم السلام للإشارة إلى أمور عدّة :
1 - الاعتراف الواضح والصريح بجدارة أبان العلمية وأهليته للتصدي العلمي سيما على مستوى الإفتاء الخطير .
2 - التأكيد على هذا التصدي في مثل المدينة المنوّرة ؛ الأمر الذي يستبطن دلالة قوية على أهمية المدينة وثقلها العلمي ، حيث كان فيها بقايا الصحابة وجملة التابعين والفقهاء وأئمة المذاهب وأرباب الحديث ، ومنها انتشر حديث رسول اللَّه صلى الله عليه وآله وسلم ، وكانت موضع اهتمام أهل البيت عليهم السلام قبل أي مركز آخر حتى الكوفة ، ولعلّ في أمرهم عليهم السلام لأبان بالتصدي في المدينة وعدم طلبهم منه ذلك في الكوفة ما يشير إلى ما ذكرناه ، ومن ذلك يظهر خطورة التصدي في مثل هذا المركز الحسّاس .
3 - إنّ الأمر بالتصدي للإفتاء في المسجد النبوي مما لم يرد نقله بشأن أي واحد من أصحاب الأئمة عليهم السلام وتلامذتهم مع كثرتهم وتقدمهم في كثير من العلوم ؛ مما يدلّ على المكانة الخاصّة لأبان عندهم عليهم السلام .
ولم تقتصر براعة أبان في الفقه على مذهب أهل البيت عليهم السلام فحسب بل تخطّته إلى سائر المذاهب الأخرى ، فقد كان فقيهاً مطلعاً على المذاهب والآراء وكان يُرجع إليه في ذلك مما يدلّ على موقعه العلمي الرفيع والمعترف به لدى المسلمين كافّة .
وهذا ما يعكسه قوله للإمام الصادق عليه السلام : « إني أقعد في المسجد فيجيئني
هامش
( 1 ) - اختيار معرفة الرجال 2 : 622 .
( 2 ) - خلاصة الأقوال : 21 .