تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مجلة فقه أهل البيت ( ع ) — صفحة 152

مساهمون:

ص١٥٢
إذن فتشخيص ماهية المشكلة والقضية التي يراد بحثها يجب أن يكون أوّلًا على أساس الواقع ، لا على أساس التحليل الذهني المجرّد . هذا من جانب ، ومن جانب آخر ضرورة الوقوف على التجارب التي عاشتها البشرية ، لمعرفة النتائج التي انتهت إليها والأسباب التي أدّت إليها ، قال تعالى :
( قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُروا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ )
« 1 » ؛ فقد أكدت هذه الآية على ضرورة التتبّع لأحداث التاريخ من أجل استكشاف ما تنطوي عليه من أسباب ومنعطفات ، ومن ثمّ الاعتبار بذلك . ولا داعي لحصر الاعتبار في حدود الانعكاسات الأخلاقية أو العقيدية فحسب كما هو المتعارف ، حيث يقال عادة بأنّ الانسان والأمم التي كذّبت الأنبياء ورسالاتهم انتهوا نهاية تعسة ولم تبق لهم باقية . بل إنّ دائرة الاعتبار من أحداث التاريخ أوسع من ذلك بحيث يشمل عملية تحليل الحضارات السابقة ، وما مرّ على الأمم الماضية من ظروف ، لكي نوظّف هذا الوعي في عملية اكتشاف خط السير الصحيح وتشخيص جهة الحركة فعلًا ومستقبلًا .

القيمة الأصولية لفقه النظرية :

إنّ كل ما ذكر عن معطيات فقه النظرية هو جيّد ونافع ، وربما تكون آثارها أوسع من ذلك ، ولكن هذا كلّه لا يقتضي أن نسترسل مع الايقاع الخلّاب لشعارات فقه النظرية ما لم يتضح لنا التبرير الشرعي لهذا النمط من الطرح وما ينطلق منه من أساس فلا بدّ اذن من تثبيت المباني اصولياً أوّلًا ثمّ البدء بتشييد معالم فقه النظرية في مجال معين . ويتحتم علينا البحث عن مدى إمكان اثبات حجّية هذه الأطروحة والسعي الجاد لفذلكة التخريج الغني لها . انّ أمامنا طريقين لبيان القيمة الشرعية لهذا السنخ من الاستنتاج والاستنباط وتختلف النتيجة المترتبة على كل واحد من الطريقين سعة وضيقاً :
هامش
( 1 ) آل عمران : 137 .