أحدهما غير الصورة في الآخر ، وحيث إنّ ارتفاع النجاسة في الأعيان النجسة لا يحتاج إلى تبدّل الذات ، بل يكفي فيه تبدّل العنوان على خلاف المتنجّسات ، فاصطلح الفقهاء في زوال العنوان بالانقلاب كما اصطلحوا في زوال الذات والحقيقة بالاستحالة ، تمييزا بينهما وبيانا للفارق بين النجاسات والمتنجسات ، لا من جهة أنّ الانقلاب غير الاستحالة ، انتهى « 1 » .
أقول : أمّا ما أفاده من انعقاد اصطلاح الفقهاء على ذلك فهو رحمه اللّه أعلم به ، وأمّا ما أفاده من الفرق بين العنوان والذات فيمكن أن يجاب عنه بأن العناوين في الأعيان النجسة ليست من قبيل العناوين العرضية كالحار والبارد والقائم والجالس والمائع والمنجمد وأمثالها ، بل من العناوين النوعية - حسب مصطلح المنطق الأرسطوئي - ولا تزول إلّا بزوال صورتها النوعية ، فلا فرق بين النجاسات والمتنجسات ، فلاحظ وتدبّر فيه « 2 » .
هذا في الفقه الشيعي ، وأمّا في فقه أهل السنّة فقال قائل منهم في بعض الندوات الكويتية :
ذهب جماهير أهل العلم إلى أنّ النجس والمتنجّس من الأشياء يصير طاهرا بالاستحالة ؛ وذلك لانقلاب عينه كالعذرة تستحيل ترابا . . . « 3 » .
إذا تقرّر ذلك فلا بدّ من لفت النظر إلى بعض المصاديق والموارد :
1 - هل شحم الخنزير والكلب والميتة يستحيل إلى الصابون أو معجون الأسنان حتّى يصير طاهرا ؟
2 - هل عظم الخنزير ووتره وما تحت أديمه يستحيل - استحالة فقهية - إلى جيلاتين حتّى يصير طاهرا يجوز أكله ؟
3 - إنّ مادة الببسين المستخرجة من معدة الخنزير أو الميتة إذا انقلبت بحلولها في لبن الحيوان مأكول اللحم إلى جبن ، فهل تطهر بدعوى تحقّق الاستحالة ؟
4 - إنّ مادة الإنسولين المشتقّة من غدّة بنكرياس الخنزير يجوز تعاطيها لمرضى السكّر أكلا ؟
فهل في هذه الموارد استحالة مطهرة ؟ أو استهلاك أو اختلاط غير مطهرين ؟
هامش
( 1 ) . نفس المصدر ص 191 - 192 .
( 2 ) . ومن أراد مزيدا من البحث ، فعليه بمراجعة جواهر الكلام ج 6 ص 266 إلى ص 291 ومستمسك العروة الوثقى ج 2 ص 88 - 105 والتنقيح ج 3 ص 167 - 195 .
( 3 ) . رؤية إسلامية لبعض المشاكل الصحّية ج 2 ص 761 ولاحظ ما بعدها وص 768 و 918 - 919 منها .