يشربوا بعد ، فنهاهم عن ذلك بعض أهل الإيمان ، أو افتتح بعض دكانا لبيع الخمر ولم يبع بعد ، فنهاه المؤمنون ، وبالجملة الجمود في هذه الأمور بعيد عن مذاق أهل العرف الذين يرجع إليهم في تشخيص الموضوعات ، بل قد يقال : إنّ النهي عن المنكر دائما من قبيل الدفع لأنّه يتحقّق عادة بالنسبة إلى الأعمال الآتية ، وأمّا الماضي فقد مضى وانصرم ، ولا معنى للنهي عنه فتأمّل .
أضف إلى ذلك أنّ الرواية مشتملة على استدلال عقلي يجري في غير موردها أيضا .
بقي هنا شيء :
وهو أنّه قد يقال : إنّ وجوب ذلك يختصّ بما إذا علم بتركه الحرام لو ترك بيع العنب له مثلا . أمّا إذا علم ببيع غيره له فلا ، لعدم حصول الغرض ، فلا يقاس ذلك بما إذا ترك ظلم شخص ، فظلمه آخر ، لأنّ الظلم من كلّ أحد حرام ، ولكن الردع لا يحصل إلّا بفعل المجموع من حيث المجموع ، كحمل المصدوم إلى المستشفى مثلا بفعل الجميع ولا يفيد فعل واحد منهم .
هذا ولكن يمكن دفعه بأن جعل كلّ عنب خمرا حرام برأسه ، كما أنّ شرب كلّ فرد من أفرادها حرام كذلك ، نعم لو كان الردع عن مصداق واحد لا يحصل إلّا بفعل جماعة - كان الأمر كما ذكره ، فتدبّر فإنّه دقيق ، فالحرمة بحسب القواعد مسلّمة .
إذا عرفت ذلك فلنرجع إلى روايات الباب أعني خصوص بيع العنب ، فنقول ومن اللّه التوفيق : أنّها على طائفتين :
الطائفة الأولى :
ما دلّ على جواز بيع العنب ممّن يعلم أنّه يجعله خمرا ، وهي روايات منها :
1 - ما رواه أبو بصير قال : سألت أبا عبد اللّه عليه السّلام عن ثمن العصير قبل أن يغلي لمن يبتاعه ليطبخه أو يجعله خمرا . قال : « إذا بعته قبل أن يكون خمرا وهو حلال فلا بأس » « 1 » .
هامش
( 1 ) . وسائل الشيعة ، ج 12 ، ص 169 ، الباب 59 ، من أبواب ما يكتسب به ، ح 2 .