وهذا ولكن لمّا كان المشهور بين الأصحاب ( رضوان اللّه عليهم ) القول بالإباحة دون الملك ، وقع بين أعاظم المتأخرين حوار شديد ، ومعركة عظيمة في هذا المقام لأنّ مراد المتعاطيين كان هو الملكية ، ولم تقع بل وقع ما لم يقصداه ، وهو الإباحة ، فما قصد لم يقع وما وقع لم يقصد .
مضافا إلى أنّ ظاهر هم جواز التصرفات الناقلة والمتوقفة على الملك ، وكيف يصحّ مثل الوقف والبيع والوطي في الأمة وشبه ذلك وليس مملوكا ؟
وعمدة المعركة بين ثلاث من كبار أساطين الفقه وهم المحقق الثاني ، وصاحب الجواهر ، وشيخنا العلّامة الأنصاري ( قدس اللّه أسرارهم ) .
فقال الأول منهم بأنّ مراد المشهور من الإباحة ، الملك الجائز دون اللازم ، قال : وما يوجد في عبارة جمع من متأخري الأصحاب من أنّها تفيد الإباحة وتلزم بذهاب إحدى العينين ، يريدون به عدم اللزوم في أول الأمر ، وبالذهاب يتحقق اللزوم ، لامتناع إرادة الإباحة المجرّدة عن أصل الملك ، إذ المقصود للمتعاطيين إنّما هو الملك ، فإذا لم يحصل كانت فاسدة ، ولم يجز التصرف في العين ، وكافة الأصحاب على خلافه ( انتهى ) « 1 » .
وقال في الجواهر بعد أن استجود هذا المقال في كلام طويل له : إن حمل كلمات قدماء الأصحاب على ما ذكرناه من أنّ مرادهم بيان قابلية الأفعال للإباحة لو قصداها وأنّ ذلك مشروع دون التمليك البيعي مثلا ، خير من ذلك « 2 » .
وبهذا الاعتبار جعل محل النزاع ما لو قصدا الإباحة .
وقال شيخنا الأعظم قدّس سرّه بعد ذكر كلمات جمع من الأصحاب ( الظاهر أو الصريحة أنّ محل الكلام ما لو قصدا الملك دون الإباحة كما أنّ مرادهم من الإباحة هو نفس الإباحة لا الملك الجائز ، بل بعض عباراتهم صريح أو كالصريح في ذلك ) : إنّ الأولى إبقاء كلماتهم في المقامين على ظاهرها ونجتهد في حلّ مشكلات هذه الإباحة ( انتهى محل الحاجة ) .
والانصاف أنّ ما ذكره أحسن وأوجه ممّا ذكره العلمان السابقان ، وإن كان لا يخلو
هامش
( 1 ) . جواهر الكلام ، ج 22 ، ص 214 .
( 2 ) . المصدر السابق ، ص 224 .