وهكذا جاء في تفسير المنار بعد التوضيح بأنّ الإضرار عامّ ويشمل إضرار الوالد والوالدة ولدهما ، فالعلّة في الأحكام السابقة منع الضرار من الجانبين بإعطاء كلّ ذي حقٍّ حقّه بالمعروف ، وهو يتناول تحريم كل ما يأتي من أحد الوالدين للإضرار بالآخر ، كأن تقصّر هي في تربية الولد البدنية أو النفسيّة لتغيظ الرجل .
وكأن يمنعه هو من أمّه ولو بعد مدّة الرضاع أو الحضانة ، فالعبارة نهي عامّ عن المضارّة « 1 » .
والحاصل أنّ الآية الكريمة وإن لم يستفاد منها وجوب الحضانة بالمعنى المطابقي ، ولكن دلّت عليه بالالتزام ؛ لأنّه لا يجوز للأمّ ترك الحضانة غيظاً لأبيه ، كما أنّه لا يجوز للأب أيضاً أن يحجب الولد عن أمّه إن تضرّر به ، وكذا لا يجوز لهما فعل كلّ ما يتضرّر به الولد ، ومنه ترك الحضانة .
وأيضاً قال اللَّه تعالى :
( وَإِنْ كُنَّ أُولاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ وَأْتَمِرُوا بَيْنَكُمْ بِمَعْرُوفٍ )
« 2 » .
وجه الاستدلال : أنّ معنى
( وَأْتَمِرُوا بَيْنَكُمْ بِمَعْرُوفٍ )
أنّه يجب عليكم الائتمار والتشاور في أمر الصبيّ بالمعروف لدفع الضرر عنه .
فصدر الآية الشريفة وإن دلّ على وجوب النفقة وأجرة الرضاع على الأزواج ، ولكن ذيلها دلّ بالالتزام على وجوب الحضانة ؛ لأنّ الحضانة من الأمور المعروفة التي يلزم على الوالدين رعايتها ، ويجب عليهم التشاور بشأنها والإقدام عليها ، حتّى لا يتضرّر الولد من تركها ؛ ولذا نقل القرطبي أنّه « قيل في تفسير
( وَأْتَمِرُوا . . . )
:
ائتمروا في رضاع الولد فيما بينكم بمعروفٍ حتّى لا يلحق الولد إضرار . . . » « 3 »
هامش
( 1 ) تفسير المنار 2 : 413 .
( 2 ) سورة الطلاق ( 65 ) : 6 .
( 3 ) الجامع لأحكام القرآن للقرطبي 18 : 169 .