الثالثة : الأخبار الواردة في خصوص نصح المستشير وقد ادّعى غير واحد من المحدّثين ( « 1 » ) وغيرهم ظهورها في الوجوب :
منها : قوله عليه السلام في رواية ابن عمر عن أبي عبد اللَّه عليه السلام قال : « من استشار أخاه فلم ينصحه محض الرأي سلبه اللَّه عزّ وجل رأيه » ( « 2 » ) .
ومنها : قوله عليه السلام في رواية النوفلي :
« من استشاره أخوه المؤمن فلم يمحضه النصيحة سلبه اللَّه لبّه » ( « 3 » ) .
وفيه : أنّ التوعيد في هاتين الروايتين بالعقوبة الدنيوية من سلب اللبّ والرأي لا يدلّ على أزيد من الاستحباب ورجحان العمل ، فإنّ العقل من أعظم النعم الإلهيّة وقد منّ به سبحانه على عباده لهدايتهم ، فصرفه إلى غير ما خلق لأجله يوجب الزوال وهو من النقمات الشديدة ، كما أنّ صرفه إلى ما خلق لأجله يوجب المزيّة والاستكمال ، ولا شبهة في رجحانه ، ومن هنا ظهر أنّ قوله عليه السلام في رواية عباية :
« وانصح لمن استشارك » ( « 4 » ) إرشاد إلى ما ذكرناه فيكون محمولًا على الاستحباب ، على أنّ الروايات المذكورة كلّها مجهولة الرواة ( « 5 » ) ، ويدلّ على عدم الوجوب أيضاً ما أشرنا إليه سابقاً من جواز إرجاع المستشير إلى غيره ، فإنّه ينافي وجوب النصح .
الرابعة : الروايات الآمرة بإعانة المؤمن وكشف كربته وقضاء حاجته ( « 6 » ) ، ومن الواضح أنّ نصح المؤمن نوع منها فيكون واجباً .
وفيه : أنّ جميع ما ورد في حقوق الإخوان محمول على الجهات الأخلاقية فيحمل على الاستحباب إلّا ما ثبت وجوبه في الشريعة كردّ السلام ونحوه ؛ ضرورة أنّه لم يلتزم أحد فيها بالوجوب ، بل قامت الضرورة على عدم الوجوب فتكون الضرورة قرينة على رفع اليد عن ظهورها في الوجوب .
هامش
( 1 ) الحدائق 18 : 164 - 165 .
( 2 ) الوسائل 12 : 44 ، ب 23 من أحكام العشرة ، ح 2 .
( 3 ) المستدرك 8 : 346 ، ب 22 من أحكام العشرة ، ح 1 .
( 4 ) المستدرك 8 : 346 ، ب 22 من أحكام العشرة ، ح 2 .
( 5 ) فإنّ يحيى ومالك وعباية مجهولون في الرجال .
( 6 ) انظر : الوسائل 12 : 203 ، ب 122 من أحكام العشرة .