فإنّهم لا يجوّزون الاعتماد عليه في مقام استنباط الأحكام الشرعية ، كما لا يجوّزون الاعتماد على القياس والرأي ؛ إذ لا يفيد شيء منها إلّا الظنّ والظنّ لا يغني من الحقّ شيئاً ، ولذا يحرم الإفتاء بمثل القياس والاستحسان ( « 1 » ) .
ويدلّ على ذلك ما ورد مستفيضاً عن الأئمّة المعصومين عليهم السلام من أنّ دين اللَّه لا يصاب بالعقول ، كرواية أبي حمزة الثمالي ، قال : قال علي بن الحسين عليهما السلام :
« إنّ دين اللَّه لا يصاب بالعقول الناقصة ، والآراء الباطلة ، والمقاييس الفاسدة ، ولا يصاب إلّا بالتسليم ، فمن سلّم لنا سلم ، ومن اهتدى بنا هدي ، ومن دان بالقياس والرأي هلك . . . » ( « 2 » ) .
ونحو ذلك من المضامين ( « 3 » ) .
نعم ، إذا كان الاستحسان هو الأخذ بأقوى الدليلين فهو صواب لا إشكال فيه ، إلّا أنّ ذلك فيما إذا رجع إلى الأخذ بالكتاب العزيز أو السنّة الشريفة أو الإجماع التعبّدي أو العقل القطعي لا إلى الأخذ بالقياس ونحوه من الأدلّة المردودة ، ولا معنى حينئذٍ لعدّ الاستحسان دليلًا مستقلّاً قبال الأدلّة المعتبرة ، فإذا دلّ النصّ على صحّة بيع السلم يخصّص به عموم ما دلّ على بطلان بيع ما ليس عند الإنسان ، والدليل حينئذٍ هو قول المعصوم عليهم السلام - وهو من السنّة - لا الاستحسان .
وكذا لو ثبت أنّ سيرة المتشرّعة جارية على صحّة عقد الاستصناع فيحكم بصحّته ، أخذاً بهذه السيرة فيما إذا احرز أنّها كانت جارية في عصر المعصوم عليه السلام وكان أحد العاملين بها أو مقرّاً لها ، ويكون الدليل حينئذٍ هو فعل المعصوم أو إقراره - وهو من السنّة - لا الاستحسان .
وتفصيل البحث في حجّية الاستحسان يطلب من علم الأصول في بحث الأدلّة والحجج .
هامش
( 1 ) التنقيح في شرح العروة ( الطهارة ) 1 : 94 .
( 2 ) المستدرك 17 : 262 ، ب 6 من صفات القاضي ، ح 25 .
( 3 ) انظر : الفقيه 4 : 118 - 119 ، ح 5239 . الوسائل 29 : 352 ، ب 44 من ديات الأعضاء ، ح 1 .