بل هي عقوق لهما كما عرّفه بعض بها في مقابل البرّ الذي هو الإحسان ، قال السيد الحكيم - عند عدّه للكبائر المخلّة بعدالة المقلّد - : وعقوق الوالدين وهو الإساءة لهما ( « 1 » ) ، ومثله عبارة السيد الخوئي في المنهاج ( « 2 » ) . وظاهرهم أنّ مطلق الإساءة لهما موجب للعقوق ، ويدلّ على ذلك ما روى حديد بن حكيم عن أبي عبد اللَّه عليه السلام قال : « أدنى العقوق ( افّ ) ، ولو علم اللَّه شيئاً أهون منه لنهى عنه » ( « 3 » ) ، وما رواه إبراهيم بن أبي البلاد عن أبيه عن جدّه عنه عليه السلام أيضاً قال : « لو يعلم اللَّه شيئاً أدنى من ( افّ ) لنهى عنه ، وهو من أدنى العقوق ، ومن العقوق أن ينظر الرجل إلى والديه فيحدّ النظر إليهما » ( « 4 » ) .
لكن ذهب بعض المتأخرين إلى أنّه ليس مطلق الإساءة موجباً للعقوق الذي هو من الكبائر ، مستظهراً ذلك من خبر عمر بن يزيد ، أنّه سأل أبا عبد اللَّه عليه السلام عن إمامٍ لا بأس به في جميع أموره عارف ، غير أنّه يسمع أبويه الكلام الغليظ الذي يغيظهما ، أقرأ خلفه ؟ قال : « لا تقرأ خلفه ما لم يكن عاقّاً قاطعاً » ( « 5 » ) .
استظهر أنّ العقوق الذي هو من الكبائر القادحة في العدالة مرتبة عالية من الإساءة ، وحينئذٍ لا بدّ من حمل الخبرين المتقدمين على ضرب من المبالغة ، لشدّة الكراهة أو الحرمة من دون أن يبلغ مرتبة الكبيرة ( « 6 » ) .
وتفصيل ذلك في مصطلح ( عقوق ) .
ثمّ إنّ ترك الإساءة للوالدين لا يكفي بل لا بدّ من الإحسان لهما ، قال تعالى :
« قُلْ تَعالَوْا أَتْلُ ما حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً »
( « 7 » ) فوضع اللَّه تعالى الأمر بالإحسان موضع النهي عن الإساءة إليهما ؛ للمبالغة والدلالة على أنّ ترك الإساءة هنا لا يكفي ، بل لا بدّ من الإحسان ، فيفهم أنّ ترك الإحسان بمنزلة الشرك في النهي والقبح ( « 8 » ) .
هامش
( 1 ) المنهاج ( الحكيم ) 1 : 12 ، م 28 .
( 2 ) المنهاج ( الخوئي ) 1 : 10 ، م 29 .
( 3 ) الوسائل 21 : 500 ، ب 104 من أحكام الأولاد ، ح 2 .
( 4 ) الوسائل 21 : 502 ، ب 104 من أحكام الأولاد ، ح 7 .
( 5 ) الوسائل 8 : 313 ، ب 11 من صلاة الجماعة ، ح 1 .
( 6 ) انظر : مصباح المنهاج ، الاجتهاد والتقليد ( السيّد محمّد سعيد الحكيم ) : 256 - 257 .
( 7 ) الأنعام : 151 .
( 8 ) زبدة البيان : 393 .