المال هل ينتقل إلى الوارث ، والدائن يستوفي حقّه منه أم يبقى بحكم مال الميّت ؟ فيه قولان :
الأوّل : - وهو المشهور بين الفقهاء ( « 1 » ) - :
أنّ التركة تبقى في حكم مال الميّت ( « 2 » ) ، بل ادّعى بعضهم الإجماع عليه ( « 3 » ) .
ويدلّ عليه - مضافاً إلى أصالة عدم الانتقال ( « 4 » ) - ظاهر الآية ، وهي قوله تعالى :
« مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِها أَوْ دَيْنٍ »
( « 5 » ) ، بناءً على أنّ ظاهر اللام في آيات الإرث هو التمليك ، فمقتضى القيد توقّف ملك الوارث على الوفاء بالوصية والدين ( « 6 » ) .
وظاهر كثير من الأخبار الواردة في موارد مختلفة - حيث يستظهر منها - توقّف الإرث على براءة ذمّة الميّت من الدين ( « 7 » ) ، كما في صحيحة سليمان بن خالد عن أبي عبد اللَّه عليه السلام ، قال : « قضى علي عليه السلام في دية المقتول : أنّه يرثها الورثة على كتاب اللَّه وسهامهم إذا لم يكن على المقتول دين » ( « 8 » ) .
ومثلها في الدلالة صحيحة عبّاد بن صهيب عن الإمام الصادق عليه السلام : في رجل فرّط في إخراج زكاته في حياته ، فلمّا حضرته الوفاة حسب جميع ما فرّط فيه ممّا لزمه من الزكاة ، ثمّ أوصى أن يخرج ذلك فيدفع إلى من يجب له ، قال :
فقال عليه السلام : « جائز ، يخرج ذلك من جميع المال إنّما هو بمنزلة الدين لو كان عليه ، ليس للورثة شيء حتى يؤدّى ما أوصى به من الزكاة . . . » ( « 9 » ) .
القول الثاني : أنّ المال ينتقل إلى الوارث كما ذهب إليه جمع من الفقهاء ( « 10 » ) ، بل ربّما استظهر من بعضهم أنّه المشهور ( « 11 » ) .
واستدلّ له بأنّ المعلوم من الشرع عدم بقاء المال بلا مالك كمعلومية عدم كونه في المقام للغرماء ؛ للإجماع بقسميه وغيره ، وعدم كونه للميّت ؛ ضرورة كون الملك صفة وجودية لا تقوم بالمعدوم ( « 12 » ) ؛ لأنّ الميّت إمّا أن يراد به نفس الجسد ، ولا يخفى عدم قابليّته للتملّك ، وإمّا أن يراد به النفس الناطقة الباقية بعد الموت ، وهو وإن تصوّر فيه الملك - نظير ما يقال في حصول الملكية للَّه تعالى في الوقف العام - إلّا أنّ ملاحظة أحكام الملك والمالك تكشف كشفاً قطعيّاً عن بطلانه ( « 13 » ) ؛ لما يستلزم من
هامش
( 1 ) الحدائق ( المواريث ) : 198 .
( 2 ) الخلاف 2 : 144 ، م 179 . الشرائع 4 : 16 . الدروس 2 : 352 .
( 3 ) السرائر 3 : 202 - 203 .
( 4 ) مستند الشيعة 19 : 112 . الوصايا والمواريث ( تراث الشيخ الأعظم ) : 201 .
( 5 ) النساء : 11 . وانظر : مستند الشيعة 19 : 113 . الوصايا والمواريث ( تراث الشيخ الأعظم ) : 201 .
( 6 ) الوصايا والمواريث ( تراث الشيخ الأعظم ) : 217 - 218 .
( 7 ) الوصايا والمواريث ( تراث الشيخ الأعظم ) : 202 .
( 8 ) الوسائل 26 : 35 ، ب 10 من موانع الإرث ، ح 1 .
( 9 ) الوسائل 19 : 357 ، ب 40 من الوصايا ، ح 1 .
( 10 ) الايضاح 2 : 63 . جامع المقاصد 5 : 221 . المسالك 13 : 62 . كشف اللثام 9 : 390 . الحدائق ( المواريث ) : 198 . جواهر الكلام 26 : 85 . الوصايا والمواريث ( تراث الشيخ الأعظم ) : 199 . مهذّب الأحكام 30 : 63 .
( 11 ) جواهر الكلام 26 : 85 . الوصايا والمواريث ( تراث الشيخ الأعظم ) : 206 .
( 12 ) جواهر الكلام 26 : 85 .
( 13 ) الوصايا والمواريث ( تراث الشيخ الأعظم ) : 221 .