ولعلّ مبنى قول الشيخ وغيره - ممّن قال بأنّ النيّة أو توطين النفس هي حقيقة الإحرام - إطلاق الإحرام على النيّة من دون التلبية في جملة من الروايات ، كخبر معاوية بن عمّار ، قال : قال عليه السلام : « صلّ المكتوبة ، ثمّ أحرم بالحجّ أو بالمتعة ، واخرج بغير تلبية حتّى تصعد إلى أوّل البيداء إلى أوّل ميل عن يسارك ، فإذا استوت بك الأرض - راكباً كنت أو ماشياً - فلبِّ » ( « 1 » ) .
وأمّا مبنى من جعل حقيقة الإحرام التلبية أو هي مع النيّة فهو إطلاق الإحرام في روايات أخرى على التلبية ، كخبر معاوية بن عمّار الآخر : « يوجب الإحرام ثلاثة أشياء : التلبية والإشعار والتقليد ، فإذا فعل شيئاً من هذه الثلاثة فقد أحرم » ( « 2 » ) .
وفي خبر معاوية بن وهب ، قال : سألت أبا عبد اللَّه عليه السلام عن التهيّؤ للإحرام ؟ فقال :
« في مسجد الشجرة ، فقد صلّى فيه رسول اللَّه صلى الله عليه وآله وسلم وقد ترى اناساً يحرمون ، فلا تفعل حتّى تنتهي إلى البيداء حيث الميل ، فتحرمون كما أنتم في محاملكم تقول : لبّيك ، اللّهمّ لبّيك » ( « 3 » ) .
ولذا ذهب جملة من الفقهاء المحقّقين إلى أنّ الإحرام حالة اعتباريّة تحصل بالنيّة أو الالتزام أو توطين النفس مع التلبية أو بالتلبية ، ويكون فعل المكلّف وإحرامه بمعنى إيجاد تلك الحالة الاعتباريّة خارجاً بأسبابها .
ووجه ذلك ما يستفاد من استعمالات الشارع وإطلاقه للإحرام بما هو صفة وحالة للمكلّف ، كما في قوله تعالى :
« لا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ »
( « 4 » ) ، وقوله تعالى :
« وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ ما دُمْتُمْ حُرُماً »
( « 5 » ) ، والروايات ( « 6 » ) الدالّة على أنّ المحرم يحرم عليه كذا وكذا ، ممّا يظهر منها جميعاً أنّ الإحرام حالة يتّصف بها المكلّف كالطهارة - مثلًا - ويكون بلحاظها موضوعاً لآثار شرعيّة خاصّة .
وبذلك يظهر وجه المناقشة فيما تقدّم
هامش
( 1 ) الوسائل 12 : 370 ، ب 34 من الإحرام ، ح 6 .
( 2 ) الوسائل 11 : 279 ، ب 12 من أقسام الحج ، ح 20 .
( 3 ) الوسائل 12 : 370 ، ب 34 من الإحرام ، ح 3 .
( 4 ) المائدة : 95 .
( 5 ) المائدة : 96 .
( 6 ) انظر : الوسائل 12 : 415 ، ب 1 ، 2 من تروك الإحرام .