قال المحدّث البحراني : « المشهور بين الأصحاب - رضوان اللَّه عليهم - اشتراط الإباحة في المكان [ أي مكان المصلّي ] ، ونعني به هنا ما قابل الغصب ، فيدخل فيه المملوك عيناً ومنفعة والمأذون فيه بجملة أقسامه من الإذن الصريح خصوصاً . . . أو عموماً . . . أو بالفحوى . . . أو بشاهد الحال » ( « 1 » ) .
وهذه المعاني والإطلاقات للإباحة عند الفقهاء رغم اشتراكها جميعاً في المناسبة مع المعنى اللغوي حيث إنّ المكلّف فيها جميعاً يكون في سعة وإطلاق ، إلّا أنّها تختلف فيما بينها من حيث نوع الإطلاق والسعة ، وأيضاً من حيث الموضوع الذي تتعلّق به الإباحة والسعة .
فالمعنى الأوّل حكم شرعي تكليفي ، أي خطاب شرعي مفاده : أنّ الشارع يرضى بالفعل والترك ولا يُلزم بأحدهما .
ومن هنا يمكن أن تتعلّق الإباحة بهذا المعنى بجميع أفعال المكلّفين من حيث الفعل والترك . وتسمّى بالإباحة التكليفية .
والمعنى الثاني حكم وضعي مفاده الموافقة مع ما هو المقرّر الشرعي التكليفي أو الوضعي . ومن هنا لا تتعلّق الإباحة بهذا المعنى إلّا بما يكون فيه مقرّر شرعي لكي يعقل فيه المشروعية والصحّة والبطلان والمطابقة وعدم المطابقة ، وحيث إنّ الموافقة مع المقرّر الشرعي والمشروعية تنتزع عقلًا عن الخطاب الشرعي التكليفي الذي هو الأمر بالمركّبات أو الوضعي الذي هو الخطابات المتعلّقة بالمعاملات وترتيب الأثر عليها ، فليست الإباحة بهذا المعنى بالدقّة هي الخطاب الشرعي المجعول حقيقة ودقّة ، بل منتزعة بلحاظه ؛ ومن هنا كانت حكماً وضعيّاً انتزاعيّاً .
والمعنى الثالث كالمعنى الأوّل الملحوظ فيه الإطلاق والسعة في نفس الفعل والترك ، إلّا أنّه بلحاظ الحكم العقلي بالحسن والقبح أو الذمّ والمدح أو العقوبة والمثوبة لا بلحاظ الخطاب الشرعي . ومن هنا تكون الإباحة بهذا المعنى عقليّة عمليّة ، أي من مدركات العقل العملي لا الأحكام الاعتبارية المجعولة .
وهناك بحث في حقيقة الأحكام العقليّة العمليّة ( التحسين والتقبيح العقليّين ) وأنّها
هامش
( 1 ) الحدائق الناضرة 7 : 162 .