عدم البيّنة حقٌّ للمدعى عليه لا أن يكون حكماً شرعياً ، وحينئذٍ فله إبراؤه منه » ( « 1 » ) .
إلى غير ذلك من الموارد التي سيمرّ عليك بعض منها في البحوث القادمة ، وهذا توسّع في استعمال لفظ الإبراء .
2 - فعلية اشتغال الذمّة :
وربما بحثه الفقهاء تحت عنوان عدم صحة إبراء ما لم يجب .
وقد اختلف الفقهاء فيه على اتجاهين :
اتجاه ذهب إلى الاشتراط المذكور ، وهم جماعة كثيرة منهم الشيخ الطوسي والعلّامة الحلّي وولده فخر المحققين والمحقق الكركي والفاضل الهندي والمحقّق النجفي وآخرون ، بل ادعى فخر المحققين اتفاق الفقهاء عليه ( « 2 » ) .
وأرسل بعضهم الاستناد إليه في كثير من التطبيقات إرسال المسلّمات دون أن يأتي عليه بدليل .
وفي مقابل الاتجاه الأوّل أنكر بعض المتأخرين وكثير من المعاصرين الشرط المذكور أو شكّك فيه منهم المقدّس الأردبيلي والشيخ الأنصاري والسيد الخوئي ( « 3 » ) .
. . . . . .
هامش
( 1 ) العروة الوثقى 3 : 63 .
( 2 ) الايضاح 4 : 641 .
( 3 ) وإليك بعض كلمات الفقهاء :
قال الشيخ الطوسي ( المبسوط 7 : 109 - 110 ) : « يجب على الجاني دية ما بعد الإصبع ، وهو أربع أصابع أربعون من الإبل ، ويكون الكف تبعاً للأصابع وسواء قال : عفوت عن عقلها وقودها وما يحدث فيها ، أو لم يقل : وما يحدث منها ؛ لأنّ الحادث هاهنا وجوب دية ما بعد الأصابع ، فهو عفو وإبراء عمّا لم يجب فلا يصح العفو عنه » .
وقال فخر المحقّقين ( إيضاح الفوائد 4 : 641 ) - معلّقاً على قول والده العلّامة في العفو عن الجناية وعن شرائها : لو قال : عفوت عنها وعن شرائها صحّ العفو عنها ، وفي صحته في السراية إشكال ، وقيل : يصحّ عنها وعمّا يحدث عنها من الثلث - : « الأصح عندي انّه لا يصح ؛ لأنّ الإبراء إزالة ما يثبت في الذمة ، فلا يصح قبل الثبوت في الذمّة ، ومن ثمّ اتفق الفقهاء على بطلان الإبراء عمّا ليس بثابت في الذمّة » .
وقال الأردبيلي ( مجمع الفائدة والبرهان 10 : 77 - 78 ) : « استثنى في القواعد التلف بفعل الطبيب والكحّال إذا أخذ البراءة من البالغ العاقل وولي الطفل والمجنون ؛ لما روي عن علي عليه السلام من تطبب أو تبيطر فليأخذ البراءة من صاحبه ، وإلّا فهو له ضامن . . . الاستثناء غير بعيد ، وإن لم تكن الرواية معلومة السند ، بل وجودها في أصولنا ، فتكون عامية ؛ لأنّها ] مؤيدة للأصل والنص والاجماع غير ظاهر في صورة البراءة . . . وأنّ الحق قد يكون متعلقاً بغير الذي أبرأ الذمة ، لكن غير بعيد تجويزه هنا ؛ للضرورة ، وللرواية وعدم القطع على عدم حصول البراءة عمّا لم يجب . . . » .
وقال المحقّق النجفي ( جواهر الكلام 25 : 110 ) : « الإسقاط كالإبراء إنّما يجدي في الحق الثابت في الذمّة مثلًا » .
وقال كذلك ( جواهر الكلام 27 : 146 ) : « وكذا لو أبرأه من الضمان ، ولكن فيه إشكال بعدم دليل صالح لقطع أصالة الضمان ؛ ضرورة عدم ثبوت مال في الذمّة يكون مورداً للإبراء ، فإنّ المراد . . . » .
وقال الشيخ الأنصاري ( المكاسب ، تراث الشيخ الأعظم 5 : 181 - 182 ) : « أمّا إسقاط هذا الخيار بعد العقد قبل ظهور الغبن ، فالظاهر أيضاً جوازه ، ولا يقدح عدم تحقق شرطه بناءً على كون ظهور الغبن شرطاً لحدوث الخيار ؛ إذ يكفي في ذلك تحقق السبب المقتضي للخيار وهو الغبن الواقعي وإن لم يعلم به ، وهذا كافٍ في جواز إسقاط المسبب قبل حصول شرطه كإبراء المالك الودعي المفرط عن الضمان ، وكبراءة البائع من العيوب الراجعة إلى إسقاط الحقّ المسبب عن وجودها قبل العلم بها ، ولا يقدح في المقام أيضاً كونه إسقاطاً لما لم يتحقق ؛ إذ لا مانع من ذلك إلّا التعليق . . . وهو غير قادح هنا . . . » .
وقال السيّد الخوئي ( مصباح الفقاهة 6 : 123 ) : « ولكنه لا دليل على عدم جواز إسقاط ما لم يجب ؛ فانّه بلا دليل . . . وبالجملة فلا دليل على بطلان إسقاط ما لم يجب بوجه » .