تكون ذمّته مشغولة بدين أو حق ليكون لإبرائه محلّ ، فإبراء من ليس عليه دين أو حقّ لا يصحّ ، ويكون لغواً .
وبهذا الشرط صرّح كثير من فقهائنا ، وبناءً عليه حكموا بعدم أثر للإبراء في مواضع متعدّدة ( « 1 » ) ، كإبراء المضمون عنه
هامش
( 1 ) ففي باب الجنايات : قال الشيخ الطوسي ( المبسوط 7 : 111 ) : « إذا جنى عبد على حرّ جناية يتعلق أرشها برقبته ، كأنّها موضحة فتعلق برقبته أرش موضحة ، ثمّ إنّ المجني عليه أبرأ ، ففيه ثلاث مسائل : إن أبرأ العبد فقال : ابرأتك أيّها العبد عنها لم يصح ؛ لأنّه إبراء من لا حقّ له عليه ، وإن أبرأ السيد برأ وسقط عن رقبة العبد . . . » .
وقال الشهيد الثاني ( المسالك 15 : 311 ) - معلّقاً على قول المحقّق الحلّي : لو أبرأ قاتل الخطأ . . . الخ - : « لما كان الإبراء إسقاط ما في الذمة ، اشترط في صحته تعلقه بمن يكون الحق في ذمته ، ولمّا كان أرش الجناية في الخطأ المحض متعلقاً بالعاقلة وفي شبه الخطأ متعلقاً بالقاتل لزم منه صحة الإبراء إن تعلق في الأولى بالعاقلة وفي الثانية بالقاتل ، دون العكس فيهما » .
وقال المحقّق النجفي ( جواهر الكلام 42 : 430 ) : « لو جنى عبد على حرّ جناية تتعلق برقبته فإن قال المجني عليه للعبد : أبرأتك من ذلك لم يصح كما عن المبسوط وغيره ، بل قيل : إنّه المشهور ؛ لأنّه لا حقّ له في ذمته كي يكون مورد الإبراء ؛ إذ هو مال للغير .
لكن مع ذلك ففي القواعد : لم يصح على اشكال . وفي كشف اللثام [ بيّن وجهي الاشكال ] : من تعلّق الحقّ برقبته ، ومن أنّ رقبته حقّ للمولى فهو إبراء من لا حقّ له عليه » .
ثمّ قال المحقّق النجفي : « قلت : لا يخفى عليك ما في الوجه الأوّل بعد ما ذكرناه ، ومن هنا قال في الكشف : الأقرب أنّه إن استحق تملك الرقبة خاصّة فلا معنى لإبرائه ؛ إذ لا معنى للإبراء عن النفس ، وإن استحق القصاص تخيّر بينه وبين الاسترقاق كلًاّ أو بعضاً ، فإذا أبرأه صحّ وانصرف إلى القصاص فإنّه الذي يصح إبراؤه عنه ، وبقي له الاسترقاق ما لم يبرأ السيد ، إلّا أن يريد إسقاط القصاص والاسترقاق جميعاً ، فإنّه لا يصح إلّا أن يتجوّز بذلك عن إبراء السيد . . . وإن كان هو أيضاً فيه ما فيه بناءً على ما عرفت من أنّ محل الإبراء الحقوق التي في الذمم ، وليس الفرض منها » .
وقال الشيخ الطوسي ( المبسوط 6 : 81 ) : « إذا قال : إن أعطيتني الفاً فأنت حرّ فالكلام في ستة أحكام . . . الثاني : إن أبرأه السيد عن هذا الألف لم يبرأ ؛ لأنّه لا حق له في ذمته ، كما لو قال لزوجته : إن أعطيتني ألفاً فأنت طالق ، ثمّ قال : أبرأتك عن هذا الألف لم يبرأ منه ؛ لأنّه لا دين له في ذمتها » .
وقال في موضع آخر : ( المبسوط 6 : 83 ) : « لو اشترى عبداً بألف شراءً فاسداً فأبرأه البائع عنه لم يبرأ ؛ لأنّه ما ثبت له في ذمته شيء » .
وقال المحقّق الحلّي ( الشرائع 2 : 188 ) : « إذا أسقط الأجرة بعد تحققها في الذمة صح ، ولو أسقط المنفعة المعينة لم تسقط ؛ لأنّ الإبراء لا يتناول إلّا ما هو في الذمم » .
وقال فخر المحقّقين ( إيضاح الفوائد 2 : 412 ) : - معلّقاً على قول العلّامة : « ولو أبرأه من مائة معتقداً ] انّه لا حق له وكان له مائة ففي صحّة الإبراء اشكال » - : « أقول : ينشأ من مصادفة الإبراء محلًا قابلًا ومؤثراً فصح ، ومن عدم القصد إلى الإبراء الصحيح ، وهو الأصحّ ؛ لأنّه قصد بلفظ الإبراء مجازه وهو عدم الإسقاط ، ودلالة اللفظ الوضعية تابعة للإرادة » .
وقريب منه ما أفاده المحقق الكركي ( جامع المقاصد 9 : 147 ) حيث قال : « ينشأ من أنّه إبراء صدر من أهله ؛ لأنّه الغرض في محلّه لثبوت الحق في الذمة . ومن عدم القصد إلى إبراء ما يستحقه لاعتقاده أنّه لا شيء له » .
وقال المحقق الكركي أيضاً في موضع آخر ( جامع المقاصد 8 : 259 ) - معلّقاً على قول العلّامة : وثمن ما اشتراه في الذمة يثبت في ذمّة الموكّل ، وللبائع مطالبة الوكيل ان جهل الوكالة ، وحينئذٍ لو أبرأه لم يبرأ الموكّل - : « لا خلاف في هذه الأحكام عندنا ، لكن نقل في التذكرة عن بعض العامّة : انّ الثمن يثبت في ذمّة الوكيل تبعاً ، فللبائع مطالبة من شاء منهما ، فإن أبرأ الوكيل لم يبرأ الموكّل وإن أبرأ الموكّل برأ الوكيل أيضاً ، وهذا إذا علم الوكالة ، فإن جهلها فإنّ ما يطالب به الوكيل ومتى ثبتت المطالبة للوكيل ، فإذا أبرأه البائع من الثمن لم يبرأ الموكّل ؛ لأنّ الثمن في ذمته في نفس الأمر ، ولا شيء في ذمّة الوكيل » .
وقال المحدّث البحراني ( الحدائق 21 : 16 ) : « لو أبرأ المضمون له ذمّة المضمون عنه لم يفد شيئاً بل كان لغواً ، وذلك لأنّك قد عرفت أنّه بالضمان انتقل المال إلى ذمّة الضامن ، وبرئت ذمّة المضمون عنه من حق المضمون له ، فهذا الإبراء لم يصادف محلًا ؛ لأنّه غير مشغول الذمّة له » .