وقد يستدلّ أيضاً لوقوع الهبة في الدين إبراءً بدلالة النصوص على عدم جواز الرجوع فيه ، مع انّه لو كان هبة لجاز كما يجوز فيها ، فكأنّه استدلال باللازم .
فمن النصوص المستدلّ بها صحيحة معاوية بن عمار الأولى قال : « سألت أبا عبد اللَّه عليه السلام عن الرجل يكون له على الرجل الدراهم فيهبها له ، أله أن يرجع فيها ؟ قال : لا » ( « 1 » ) .
وصحيحته الثانية قال : قلت لأبي عبد اللَّه عليه السلام : « رجل كانت عليه دراهم لإنسان فوهبها له ثمّ رجع فيها ، ثمّ وهبها له ، ثمّ رجع فيها ، ثمّ وهبها له ، ثمّ هلك ، قال :
هي للذي وهبها له » ( « 2 » ) .
وربما نوقش في الرواية الثانية بأنّها دالّة على عكس المطلوب ؛ لتضمّنها رجوع الواهب في دينه أكثر من مرّة ، ومعها تكون معارضة للرواية الأولى .
وأجيب بأنّ الرجوع بعد الهبة إنّما وقع في حكاية كلام السائل لا في كلام الإمام عليه السلام ليحتجّ به ، فلا منافاة بينه وبين ما دلّت عليه الرواية الأولى ( « 3 » ) .
وسوف تأتي المناقشة في أصل هذا الاستدلال .
القول الثاني : وقد ذهب إليه بعض آخر من الفقهاء حيث أفادوا أنّ هبة الدين لمن هو عليه تمليك له وإن أفادت فائدة الإسقاط فتكون هبة ، وتجري عليها أحكامها من اشتراط القبول والقبض الحاصل فرضاً ، لكون الموهوب في ذمّة الموهوب له .
نعم ، لا يجوز الرجوع في الموهوب لا لصيرورة الهبة عقداً لازماً ، بل لسقوط الموهوب عن ذمّة المتّهب بمجرّد هبته ؛ إذ لا يعقل بقاء ملكية الانسان شيئاً على نفسه ، ومن شرط جواز الرجوع في الهبة بقاء الموهوب وعدم تلفه .
وبهذا الوجه يجاب عمّا استدلّ به للقول الأوّل ، فإنّ دلالة الروايات على عدم جواز الرجوع لا ينافي كون الحاصل هبة .
هامش
( 1 ) الوسائل 19 : 229 ب 1 من الهبات ، ح 1 .
( 2 ) المصدر السابق : ح 2 .
( 3 ) الحدائق 22 : 307 .