الجهل بواقعه كما إذا كان في ظلمة .
ففي الحالة الأولى : لا إشكال في صحة الرجوع إلى إطلاقات مطهرية مطلق الغسل ؛ لأنّ مرجعه إلى إجمال المخصّص والمقيّد لها ودورانه بين الأقلّ والأكثر مفهوماً ، حيث لا يعلم شمول عنوان الاناء لغة لأكثر مما هو متيقن أنّه إناء عند العرف ، وقد تقرر في محله من علم الأصول أنّ المرجع فيه عموم العام « 1 » لا حكم المخصّص « 2 » ، ومعه لا مجال للرجوع إلى الأصل العملي ، وهو استصحاب بقاء النجاسة بعد الغسلة الواحدة .
وفي الحالة الثانية : لا يجوز الرجوع ابتداءً إلى مطلقات الأمر بالغسل ؛ لأنّه من الشبهة المصداقية للمخصّص ، والمقرر في محله من علم الأصول عدم صحة الرجوع فيها لا إلى العام ولا الخاص « 3 » ، بل لا بدّ من الرجوع إلى الأصل العملي ، وعندئذٍ قد يقال : إنّ مقتضاه بقاء النجاسة في المشكوك بعد تحقق الغسلة الواحدة ، فلا بدّ من تكرارها حتى يقطع بحصول الطهارة ولا يكون إلّا بالغسل ثلاثاً « 4 » .
إلّا أنّ هذا الكلام غير تام ؛ لوجود أصل موضوعي حاكم على هذا الاستصحاب في أكثر الموارد ، وهو استصحاب عدم كونه إناءً ، فإنّ الجسم المشكوك لم يكن إناءً منذ خلقته عادة ، بل كان مادة من الخزف أو النحاس أو غيرهما ثمّ تشكّل بشكل الإناء ، فيجري استصحاب عدم كونه إناء ، وبذلك ينقّح موضوع عمومات الأمر بالغسل ، فإنّ الخارج منها عنوان الاناء - وهو عنوان وجودي - فيكون موضوع العام عدمياً ، فيتنقّح باستصحاب عدم الانائية الثابتة في بداية خلقة ذلك الجسم ، أي كل جسم لا يكون إناءً « 5 » بنحو التركيب على ما هو مقرر في محله من الأصول « 6 » ، بل لو فرض احتمال
هامش
( 1 ) انظر : المحاضرات في أصول الفقه 5 : 180 - 181 . بحوث في علم الأصول 3 : 298 - 299 .
( 2 ) انظر : مستمسك العروة الوثقى 2 : 34 - 35 . التنقيح في شرح العروة ( الطهارة ) 3 : 71 - 72 .
( 3 ) انظر أجود التقريرات 2 : 321 . المحاضرات في أصول الفقه 5 : 191 .
( 4 ) انظر : مستمسك العروة الوثقى 2 : 35 .
( 5 ) التنقيح في شرح العروة ( الطهارة ) 3 : 72 - 73 .
( 6 ) انظر : المحاضرات 5 : 207 . بحوث في علم الأصول 3 : 350 .