ونلاحظ عليه :
أوّلًا : تارة نحمل المحاربة في صدر الآية على المعنى العنائي المجازي أي المعصية العظيمة التي تكون بمثابة محاربة اللَّه ورسوله كما في قوله تعالى : «
فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ »
، وأخرى نحملها على معناها الحقيقي وتكون العناية في الاسناد فقط أي شهر السلاح ومحاربة حقيقية للَّه والرسول ولكن من خلال محاربة أوليائهم وأتباعهم وهم المسلمون .
فعلى الأوّل لا محالة يكون العنوان الأوّل توطئة ومقدّمة للعنوان الثاني ، وهو الافساد في الأرض ، ويكون المدار عليه ، لأنّه الفعل والعنوان الحقيقي فيكون هو الجرم ، وأمّا العنوان الأوّل فهو ادّعائي تنزيلي لمجرّد إبراز فظاعة ذلك الجرم وشناعته وكونه بمثابة محاربة اللَّه والرسول . إلّا أنّ هذا رجوع إلى التقريب السابق ، والذي قد عرفت عدم تماميّته ، وأنّه لا موجب لإلغاء المحاربة وحملها على المعنى العنائي التنزيلي ، بل لا يناسب السياق والتركيب على ما بيّنا .
وعلى الثاني تكون المحاربة الحقيقية - أي شهر السلاح - مأخوذة في موضوع الحكم ، وواضح أنّ هذا العنوان عندئذٍ يكون هو الجرم الحقيقي ؛ لكونه محاربة حقيقية مع امّة اللَّه والرسول ، وشناعته وفضاعته وجُرميّته واضحة لا تحتاج إلى التنزيل والتشبيه ، نعم التشبيه والتنزيل قد يكون في الاسناد إلى اللَّه والرسول ولكن المحاربة متحقّقة بالفعل خارجاً ، ومثل هذا أوضح جرمية من عنوان إجمالي قد يختلف فيه بحسب الوجوه والاعتبارات كعنوان الافساد في الأرض ، فلا يناسب أن يجعل ذلك تعليلًا لجرمية ذلك العنوان البسيط الواضح جرميّته واستحقاق العقوبة الشديدة على ارتكابه ، فهل يصحّ عرفاً أن يقال مثلًا لا تحارب اللَّه والرسول لأنّه إفساد في الأرض ؟ !
وما جاء في التقرير من الاستناد إلى المرتكز العقلائي وأنّهم يرون بحسب ارتكازهم أنّ السرّ لأنواع المجازاة المذكورة في الآية إنّما هو الافساد في الأرض