تخطي إلى المحتوى الرئيسي

قراءات فقهية معاصرة — صفحة 390

مساهمون:

ص٣٩٠
ثمّ إنّه لو فرض أنّ عنوان الافساد في الأرض كان في نفسه عاماً يشمل كلّ ما يكون ، إفساداً لأوضاع الناس والمجتمع ولو لم يكن بنحو الظلم والتعدّي على الأموال والأنفس ، بل بإفساد أخلاقهم أو توزيع الأفيون والمخدّرات بينهم أو إيجاد الفتنة والارجاف بينهم أو غير ذلك - خلافاً لما استظهرناه في البحث السابق - مع ذلك قلنا في المقام حيث إنّ جملة «
وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَساداً »
جعلت في الآية بياناً لكيفيّة المحاربة والغرض منها ، فلا محالة يتقيّد معناها بالإفساد الخاصّ بقرينة المحاربة ؛ لأنّ المحاربة التي تكون بقصد الإفساد في الأرض تساوق لا محالة من يشهر السلاح للإخلال بالأمن وسلب المال أو النفس أو نحوهما ، فلا يعمّ الأنحاء الأخرى من الإفساد التي لا تناسب المحاربة وشهر السلاح ولا تكون غاية لها عادة . وهذا يعني أنّ كلّ واحد من القيدين في الآية المباركة يقيّد إطلاق الآخر ، فكما أنّ إرادة الإفساد في الأرض يقيد إطلاق المحاربة ويخرج منها المحاربة بنحو البغي والخروج عن الإسلام أو طاعة الحاكم الإسلامي كذلك المحاربة يقيد إطلاق الإفساد في الأرض - لو فرض إطلاق فيه - عن سائر أنحاء الإفساد في المجتمع ويعيّنه في سلب الأمن ونهب المال والنفس ونحوهما ؛ لأنّه الذي يكون في المحاربة وشهر السلاح . والمتحصّل من مجموع ذلك : أنّه لا يستفاد من هذه الآية المباركة أكثر ممّا دلّت عليه الروايات الخاصّة - على ما سيأتي التعرّض لها في الجهة القادمة - وأفتى به فقهاء الإسلام من اختصاص هذا الحدّ والجزاء المذكور فيها بالمحارب الاصطلاحي ، وهو من شهر السلاح وأخاف الناس بقصد الافساد في الأرض . النقطة الثالثة : قد يستدلّ بالآية السابقة لهذه الآية وهي قوله تعالى : «
مَنْ قَتَلَ نَفْساً بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسادٍ فِي الْأَرْضِ
. . . » ( « 1 » ) على أنّ عنوان الإفساد في الأرض
هامش
( 1 ) ( ) المائدة : 32 .