فالحاصل : أنّ من يستقرئ ألسنة الروايات الكثيرة الواردة في الأبواب المرتبطة بمسألتنا يشرف على القطع أو الاطمئنان بأنّ علم القاضي الشخصي لم يكن من جملة الطرق المتّبعة للقضاء واستخراج الحقوق في المرافعات والأقضية ، وأنّ طريقيّة البيّنات والايمان كانت لخصوصيّة فيهما ، لا لمجرّد طريقيتهما المحضة إلى الواقع لكي يتوهّم قيام قطع القاضي مقامهما ولو في الارتكاز العرفي ، بل من يلاحظ أدلّة اليمين والحلف يجد في بعضها التصريح بموضوعيّة اليمين ، وأنّه بعد قبول المدّعي بيمين المنكر لا يجوز له أن يأخذ المال ولو أقام خمسين قسامة على خلافه ، بل لا يمكنه التقاصّ منه لو وقع مال آخر من الحالف بيده ، ممّا يشهد على أنّ لليمين موضوعيّة في باب القضاء ، وليس بابه باب الطريق المحض ليقال بكون علم القاضي مثلًا أشدّ وأقرب إلى الواقع منه فيقوم مقامه ولو عرفاً وارتكازاً .
نعم ، هذه الدعوى تصحّ في العلم الحسّي بالمعنى المتقدّم في بعض أقضية أمير المؤمنين عليه السلام ممّا فيه انكشاف للحال ، ويحصل في المحاكمة العلم البديهي للجميع به للقرائن القطعية ؛ فإنّه حجّة وسند للقاضي جزماً بدليل السيرة العقلائية وبعض الروايات المعتبرة في بعض أقضية أمير المؤمنين عليه السلام . ولا يستفاد من روايات الحصر عدم حجّية مثل هذا الانكشاف ؛ لانصرافها عنه .
وهذا الدليل تارة : يقرّر كدليل لبّي يوجب القطع بعدم سندية علم القاضي الشخصي ، وأخرى : يقرّر كدليل لفظي استظهاري بأن يقال : إنّ مجموع الروايات الواردة في كيفيّة الحكم وأحكام الدعوى حيث إنّها اقتصرت على ذكر البيّنات والايمان فقط فيستفاد من سكوتها واقتصارها جميعاً على ذلك إطلاق مقامي دالّ على الانحصار ، وهو ظهور قائم بمجموع الروايات ، ومستفاد من ملاحظة مجموعها معاً ، وهو حجّة أيضاً كالظهور في رواية واحدة .
الوجه الثالث
: ما ورد من الروايات في باب الحدود وحقوق اللَّه ، ممّا قد يستظهر منه عدم حجّية علم القاضي الشخصي فيها ، وهي عديدة ، إلّا أنّها لو تمّت