تخطي إلى المحتوى الرئيسي

قراءات فقهية معاصرة — صفحة 298

مساهمون:

ص٢٩٨
الثلاثة أيضاً إلى نفس ما كان النظر إليه في تلك الآيات ، أعني كبرى الحكم والتشريع الذي يريد الحاكم تطبيقه على موضوعه بعد الفراغ عن ثبوته قضائياً ، فلا بدّ وأن يكون ذلك الحكم عدلًا وحقّاً ، لا من الأحكام الباطلة والظالمة التي وضعها الطواغيت والحكّام الجائرون بأهوائهم الفاسدة ، وأمّا كيف يثبت موضوع الحكم العادل والحقّ فهو أجنبي عن منظور الآيات . والحاصل : فرق بين أن يقال : « احكم بالواقع » وأن يقال : « احكم بالعدل والقسط والحقّ » فإنّ هذه العناوين من أوصاف نوع الحكم والتشريع الذي يحكم به القاضي ، وليس النظر فيه إلى الظلم من ناحية إنكاره للموضوع مع علمه به . وممّا يشهد على هذا الاستظهار أنّ سياق الآية الثالثة نفس سياق الآيات المتقدّمة بل هي منها . والآية الأولى حيث فرّع فيها الحكم بالحقّ على جعل داود خليفة في الأرض من قِبل اللَّه سبحانه ، فيناسب أن يكون المراد بالحكم بين الناس بالحقّ فيها مطلق إقامة الحقّ والشريعة الإلهيّة العادلة على الناس . وأمّا الآية الثانية فقد ورد فيها الحكم بالعدل عقيب الأمر بأداء الأمانة إلى أهلها حيث قال تعالى : «
إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَماناتِ إِلى أَهْلِها وَإِذا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللَّهَ كانَ سَمِيعاً بَصِيراً »
( « 1 » ) وهذا التعقيب يدلّ على أنّ المقصود بالأمانة التي أمر اللَّه بأدائها سنخ أمانة خاصّة عظيمة لها ارتباط بالحكم بالعدل وإقامته بين الناس ، فيناسب أن يكون المراد بها الإمامة والحكومة ، ويراد بالحكم بالعدل إقامة الشريعة العادلة وإقامة حكم أهل البيت عليهم السلام ، كما دلّت على ذلك روايات صحيحة مستفيضة أكّدت على أنّ هذه الآية المباركة فينا نزلت ، وإيّانا تعني ، وأنّ الحكم بالعدل هو الحكم بما في أيدينا ( « 2 » ) .
هامش
( 1 ) ( ) النساء : 58 . ( 2 ) ( ) تفسير البرهان 1 : 379 .