والدليل على أخذ هذا القيد في سقوط الحدّ بالتوبة وروده في ألسنة الأدلّة ؛ فإنّ الدليل على سقوط الحدّ بالتوبة إن كان مثل قوله تعالى : «
فَمَنْ تابَ مِنْ بَعْدِ ظُلْمِهِ وَأَصْلَحَ فَإِنَّ اللَّهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ »
( « 1 » ) الوارد عقيب آية قطع يد السارق ، أو مثل قوله تعالى : «
فَإِنْ تابا وَأَصْلَحا فَأَعْرِضُوا عَنْهُما »
( « 2 » ) الوارد عقيب آية السحق أو الزنا قبل تشريع الحدّ ، فمن الواضح أنّ المستظهر من قيد «
وَأَصْلَحَ »
إنّما هو ما ذكرناه ؛ فإنّ «
أَصْلَحَ »
بمعنى صلح في العمل والاستقامة الخارجية .
وإن كان الدليل على السقوط الروايات الخاصة فالوارد روايتان ، إحداهما صحيح ابن سنان المتقدّم ( « 3 » ) ، وهو ظاهر في التوبة والصلاح العملي أيضاً بقرينة ما فيه من التعبير بمجيء السارق من قبل نفسه تائباً وردّه للسرقة إلى المسروق منه ، فذكر ردّ السرقة إلى صاحبها بعد التوبة كناية عن لزوم الصلاح العملي والاستقامة الفعلية . والأخرى صحيح جميل ، وهي أيضاً ظاهرة بل صريحة في ذلك ، حيث عبّر فيها : « إذا صلح وعرف منه أمر جميل لم يقم عليه الحدّ » ( « 4 » ) ، بل في ذيلها ينقل ابن أبي عمير عن جميل لزوم مرور مدّة على توبته ليظهر فيها صلاحه .
فالحاصل : أنّه لا تعارض بين الطائفتين بعد أن كان سقوط الحدّ بالتوبة مشروطاً بظهور صلاحه عملًا ، لا مجرّد التوبة واقعاً الثابتة من خلال إقراره عند الحاكم ، وإن شئت قلت : إنّ لظهور التوبة وصلاحه قبل ثبوت الجرم دخلًا في سقوط الحدّ ، ولا يكفي ظهوره في طول الإقرار به وإن كانت قبله ، فتأمل جيداً .
وأما ما ذهب إليه الشيخ المفيد قدس سره من ثبوت حق العفو للإمام بالتوبة حتى في
هامش
( 1 ) ( ) المائدة : 39 .
( 2 ) ( ) النساء : 16 .
( 3 ) ( ) الوسائل 18 : 530 ، ب 31 من حدّ السرقة ، ح 1 .
( 4 ) ( ) المصدر السابق : 328 ، ب 16 من مقدمات الحدود ، ح 3 .