تخطي إلى المحتوى الرئيسي

بحوث في الفقه الزراعي — صفحة 10

مساهمون:

ص١٠
إنّ سمة الواقعيّة خصوصيّةٌ ملازمة للفقه الإسلامي ، من هنا كان على هذا الفقه أن لا ينسلخ عن ملازماته ، وكان ضروريّاً له أن يَعِيَ الواقع قبل أن يُصدر حكمه في حقّه ، وإلّا أصدر هذا الفقه أحكاماً مخارجة للواقع أو غير قابلة للتطبيق فيه ، وكلا الأمرين مشكلة مستقلّة قائمة بحدّ نفسها . وأن يكون الفقه واقعيّاً ، ليس مجرّد شعار يطرح ، بقدر ما هو تداعيات عديدة تلزم الفقه بمراعاتها ، تداعيات تبدأ من المبادئ والأصول ، وتمرّ بالمضمون والبُنية الداخلية ، لتصل إلى اللغة والخطاب والعرض والتنظيم . والشيء اللافت في تاريخ الفقه المعاصر قيام مرجعيّة عتيدة ، هي مرجعيّة الإمام الخميني ( 1989 م ) ، باستباق الفقه على أرض الواقع ، ومن ثمّ وضع حمل جديدٍ على كاهله ، أيّ أنّ تجربة الإمام لم تنطلق من تطوير الفقه من الداخل لتبلغ بذلك الواقع والأحداث فحسب ، بل المهم أنّ هذه التجربة انطلقت من تكوين واقع ضاغط يلاحق الفقه بالقوّة والإجبار هذه المرّة ليكون واقعياً ، بدل أن تكتفي بحثّه على الحركة نحو الواقع . هذه التجربة كانت إقامة دولةٍ دينية تقوم - فيما تقوم عليه - على الفقه الإسلامي في أكثر من مجال ، في السياسة والاجتماع والاقتصاد و . . . ، وما دام الفقه معنيّاً بهذه الدولة ومسئولًا عنها فهذا يعني أنّه لم يعد قادراً على اختيار العزلة ، لأنّه سيُمنى حينئذٍ بالهزيمة الساحقة ، فواقع الدولة والاجتماع لا يجامل أحداً ، فما لم يهبّ الفقه لمواكبة هذا الواقع الجديد ، فإنه سيخسر مواقعه ، ولن تنتظره الحركة اليومية السريعة في عالم السياسة والاقتصاد والاجتماع . لم يكتفِ الإمام الخميني بدعوة الفقه والفقهاء للتصدّي للواقع ، بل أعاد صياغة الواقع نفسه بما يجبر الفقه على التحوّل في مساره نحو مزيدٍ من الواقعيّة والمواكبة . هذا الحدث - التحوّل الذي قاده الإمام الخميني يفرض علينا إعادة التفكير في كل منهاجيّاتنا الفقهيّة والأصولية ، ويستدعي رئي جديدة ، تستجيب للتحديات المعاصرة ، تحدّيات إقامة دولة دينية من جهة ، وتحدّيات طبيعة الحياة