تخطي إلى المحتوى الرئيسي

بحوث في الفقه الزراعي — صفحة 9

مساهمون:

ص٩

مقدّمة التقرير

لم يهدأ الفقه الإسلامي يوماً منذ ولادة الإسلام مع النبي وإلى يومنا هذا ، على خلاف الكثير من العلوم الدينيّة الأخرى التي شهدت فتوراً حيناً وحماساً حيناً آخر ، بل لم يكن لها من وجود أصلًا في بعض الحقبات الزمنية من عمر الإسلام . كان الفقه الإسلاميّ حيّاً على الدوام ، بجميع مدارسه تارةً ، وببعضها تارةً أخرى ، وكان الواقع هو الذي يفرض حيويّة الفقه ، لقد غدا الفقه واقعيّاً ، بل ولد واقعيّاً ، لأنّه الاستجابة الطبيعيّة لتداعيات الواقع التي لا تهدأ أبداً طالما هناك بشر تختلف مصالحهم وتتعارض أهدافهم في مناخ مادي يستدعي على الدوام تزاحماً وتعارضاً . كانت هذه العلاقة التي يترك فيها الفقه الإسلامي بصماته على الواقع ، ويترك الواقع نفسه - في المقابل - بصمات جليّة على هذا الفقه ، علاقة جدليّة لا تنتهي ما دام الفقه الإسلامي فقهاً واقعياً وهو كذلك في ظروف نشأته وازدهاره ، وهذا ما يتطلّب من الفقه أن لا يغدو فقهاً فرضياً بحتاً ، يجافي الواقع أحياناً في فرضيّته هذه ، أو يتغافى عنه ، محدثاً بذلك قطيعةً بينه وبين الواقع . هذه النزعة الفرضيّة في الفقه الإسلامي تساهم في عزله عن الواقع ، وتهيء الفرصة لفقهٍ آخر ليحلّ بديلًا عنه ، لأنّ الواقع لا يعرف الرحمة ولا المجاملات ، إنّه تحديات مليئة بالمخاطر ، فما لم يخرج الفقه الإسلامي من فرضيته وعزلته وتنظيره المتعالي فلن ينتظره الواقع كثيراً ، بل سيستبدل به نظاماً آخر ، وهذا ما حصل - مع الأسف - في أكثر من موقع وبلد إسلامي .