هامش
- في هذا الحديث كلام صديقك ، لأنّه فيه زاوية مأخوذة من كلام الصديق ، ثمّ يذهب عند صديقك الآخر ، فينقل عنك مثل ما نقل لك . وبهذه الطريقة يحلّ ويفكّ عقدة الصداقة بينك وبين صديقك . وهكذا يعملون بين الرجل وامرأته ، بين الأخ وأخيه ، بين الصديق وصديقه ، بين الناس بعضهم مع بعض . فيحرّفون الكلام ، ويجعلون خلافات بين الناس . وهؤلاء أخطر ما خلق اللَّه من البشر : المغتاب ، والكذّاب ، والناقل لما سمع ، والمنافق ، والنمّام ، والمفتن ، هؤلاء هم الذين يحلّون عقد الناس وصلات الناس ؛ لأنّ المجتمع يعيش عقوداً والتزامات ، العقود والالتزامات : عقود الأُخوّة ، والصداقة ، والزوجية ، والزمالة ، وعقود المشتري والمبيع ، وأمثال ذلك ، هؤلاء يحلّون ؛ بتمتماتهم ، وكلماتهم ووساوسهم ونفخاتهم ونفثاتهم ؛ يحلّون هذه العقد ويفكّونها » .
لماذا عبّر عنهم بالنفّاثات في العقد ؟ يقول الإمام محمّد عبده : « لأنّه في أيّام الجاهلية كانوا في بعض الحالات مثل عقدة الرجال ، هناك دجّالون يضعون عقدة من الخيط ، ثمّ يقرأون ترانيم ، ثمّ صلاة ، فينفخونها في هذه العقدة ، ويفكّونها ، ويقولون : انفكّت العقدة ! اذهب فقد انتهت المشكلة ! وبهذا يوحون إلى الشخص ، فيظنّ أنّه انفكّت العقدة . والحقيقة أنّه ما كانت هناك عقدة ، وإنّما كانت عقدة إيحائية : تخوّف شعور ، ضعف في الأعصاب ، وانحلّت بالإيحاء . فلأنّهم كانوا ينفثون فيحلّون العقد ، يشبّههم اللَّه بهؤلاء الذين يتكلّمون وكلامهم نفث لا أكثر ولا أقلّ ، فيحلّون العقد بين الأُخوة وبين الأصدقاء وبين الناس » .« وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثاتِ فِي الْعُقَدِ »: هؤلاء الذين يفرّقون بين الناس ، نحن نعوذ باللَّه وبربّ الفلق من شرّهم . وهذا شرّ من أخطر الشرور البشرية ، ولهذا خصّه اللَّه بالذكر مع ما في أوّل الآية ، حيث قال :« شَرِّ ما خَلَقَ »، يشمل الكلّ . ولكن - كما قلنا - خصّ الليل تخصيصاً خاصّاً بالذكر ، أيضاً خصّ النفّاثات في العقد تخصيصاً خاصّاً في الذكر .
والنقطة الثالثة في الحقيقة ، أو الشرّ الثالث ، بعد شرّ الليل وشرّ النفث ، يأتي شرّ الحسد :« وَمِنْ شَرِّ حاسِدٍ إِذا حَسَدَ ». والحسد وأخطار الحسد لا تخفى عليكم . ولكن هناك بعض النقط حول الحسد أذكرها لكم .
في الحديث الشريف : « إنّ الحسد يأكل الحسنات ، كما تأكل النار الحطب » ، وهو من أفسد وأسوأ وأعظم ذنوب العباد ، وجاء في الحديث : « إنّ الحاسد كالكافر » ، كالمنكر ، كالمعترض لخلق اللَّه ، وأنّ الحاسد لا يتمكّن أن يحمل ما أعطاه اللَّه لعباده : اللَّه أنعم على -