ولعمري إنّ الشبهة عويصة ، ولا تنحلّ بمثله ، فلتتدبّر لعلّ اللّه يهديك ويهدينا .
وللمسألة مقام آخر ؛ لاحتياجها إلى طور آخر من البحث خارج عن وضع الكتاب . واللّه هو المستعان .
والذي يمكن أن يقال : هو أنّ ما أشير إليه من امتناع ترشّح الإرادة وتحقّقها إذا علم المريد عدم انبعاث العموم ، يختصّ بالإرادة التشريعيّة التكليفيّة ، لا الوضعيّة ؛ فإنّها أخفّ مئونة ، ففيما نحن فيه يدور البحث حول الولاية العامّة والسلطنة الكلّيّة التي من الأمور الاعتباريّة ، فيمكن ذلك لعدم الحاجة فيه إلى الانبعاث .
وأنت خبير بأنّ اعتبار الأحكام الوضعيّة يتقوّم بالأثر المطلوب منه ، وهو تنفيذها وإجراؤها ، فإذا علمنا أنّه يتخلّف دائما عن التنفيذ ، فكيف يعقل تحقق إرادة جعلها ؟ ! فالعويصة باقية بعد .
لنا أن نقول : - كما تحرّر منّا في الأصول « 1 » في مواقف كثيرة - إنّ عدم ترشّح الإرادة من قبل المولى على وجهين :
أحدهما : أن يكون مستندا إلى عدم المقتضي ، فهو لا يستتبع التكليف العقلي ، ولا الثواب والعقاب .
ثانيهما : أن يكون مستندا إلى وجود المانع وفقد الشرط القائم بالطرف ، وهو عصيان الناس وكفرهم وعدم انبعاثهم وأمثال ذلك ، فإنّ ذلك لا يمنع عن ثبوت الإرادة والطلب اللازم مراعاته ، المورث للتكليف عقلا وللعقاب والثواب ، فإنّ الاطّلاع على غرض المولى ومطلوبه يوجب التبعيّة ، فإذا كان بمقتضى الدليل اللبّي أمر الخلافة مفوّضا إلى طائفة ، وتبيّن أنّ ذلك مطلوب المولى لجماعة ، فعليهم القيام بهذا المطلوب ، وعلى الآخرين القيام بمقدّماته ؛ لأنّه مطلوب له تعالى ، ومعروف وجب وجوده بين الناس وإن كان المكلّف بالمباشرة الفقيه ، ولكن على الرعيّة ترتيب الأمور على وجه يتمكّن هو من التصدّي لذلك ؛ لما به يحصل ما هو مورد الغرض والمقصود . فافهم واغتنم .
هامش
( 1 ) . تحريرات في الأصول 2 : 30 - 34 .