وأما اختلاف الفقهاء في المجال الثاني ، أي في إدارة أمور البلاد والأحكام الجزئية مع تمتع كل واحد منهم بوصف أهلية القيادة « 1 » ، فإنّ من البديهي أن مثل هذا الاختلاف يوجب اضطراب الأمة واختلال النظام ، ولا بدّ من التفكير في حل لمعالجة هذه المشكلة ، والخروج منها بنحو من الأنحاء ، ولا يجوز تجاهلها أبدا ، لأن السلطة والقوة الثالثة أي : القوة والسلطة الإلهية المتمثلة في الفقيه الجامع للشرائط في زمان الغيبة كما أسلفنا إحدى السلطات والقوى ( والعناصر ) الثلاث في الحكومة الإسلامية ، ولا يمكن صرف النظر عنها ، ونحن قد ذكرنا هذا النوع من الاختلاف تحت عنوان الاختلاف في الأحكام الجزئية « 2 » لأن اختلاف
هامش
( 1 ) يعني امتلاك الشرائط المطلوبة كالاجتهاد والعدالة ، والمعرفة بالسياسة العالمية الحاضرة .
( 2 ) لا يخفى أنه يمكن أن نقول - من الناحية العلمية - إن وجوب تقليد الأعلم إنما هو في الأحكام الكلية .
وأما في الأحكام الجزئية ، فلا يجب فيها تقليد الأعلم ، إلّا إذا صدرت تحت عنوان حكم الحاكم ، أو من باب حجية تشخيص الموضوع .
فمثلا فتوى المجتهد بحرمة الخمر حجة ، ويجب تقليد الأعلم فيها .
وأما رأيه بأن هذا المائع الموجود في الإناء الخاص خمر ، وأن شربه حرام ، فليس لدينا دليل على حجيّته ، إلّا عن أحد طريقين : أحدهما : حجية خبر الثقة أو العدل في الموضوعات ، أي أخباره بأن هذا المائع خمر . والآخر : حجية حكم الحاكم في الموضوعات في صورة قوله : « حكمت بخمرية هذا المائع » .
وهذان الأمران لا يخلوان عن المناقشة ( التفصيل تجده في أصول الفقه ) .
ونظر الفقيه في الأمور المتعلقة بإدارة البلاد هو الآخر حكم جزئي في الموضوع الخاص ، مثل القتال أو المصالحة مع دولة أخرى ، أو التجارة مع بلد آخر ، أو عقد العلاقات السياسية مع الدولة الأجنبيّة الفلانية ، بيع النفط إلى الدولة المعيّنة وما شاكل ذلك ، ففي هذه الموارد وإن كان عنوان الحرام أو الواجب أو الجائز قابلا للانطباق عليها ، ولأنّ مقدماتها نظرية وحدسية لا يمكن اعتبار حجيتها من باب إخبار الثقة أو العدل ، وهي تنحصر في الطريق الثاني أي حجيّة حكم -